وشم الذاكرة...على ضفاف نهر الحياة...
يا رياح الخريف رفقا بقاربي الحزين...حتى يرسو على إحدى الضفاف

كورساكوف

كورساكوف

 

لعنت الذاكرة قبل هوميروس

وهذا أخيل بيننا يقاتل

أحرقت الذكريات على إيقاع نيرون

لكن روما بعينيها تقاتل

جرتك ذهني من كل الصور

هذي صورهم تمر تباعا

كل الذين رحلوا كل.. الأمسيات القارصة

كل كؤوس القهوة

كل الذكريات عائدة لا محالة ...

لن تعيش أكثر من ذكرى

وتعاد كل الصور

وتصدر البيانات

وترفع الشعارات

تشحذ الفؤوس وتقرع الكؤوس

و لا تصمد غير ريح الذكريات

أنام ثمان وستون سنة وست هزائم

وحرب أخرى

وأسجل أن الزمان يخبئ لي سنبلة

ورقم هاتف غير شغال

 

(0) تعليقات

ضفـــــــــــــاف

ضفـــــــــــــاف

                                    " المنطق يأخذك من ألف إلى باء. أما الخيال فيسافر بك إلى أي مكان."

ألبيرت آينشتاين

Albert Einstein

 

الضفة الأولى:

 

أكره أن أكون نتيجة نزوة عابرة

تمنيت لو عشت هذه الحياة بالمقلوب

عندما افتح عيني على الحياة

أجد نفسي شيخا يستند الى عكازه المتآكل

مثقل بخيبات الأمل وحزم تجارب متلاشية

أتسكع بين دروب مدينة السراب

أفكر بصوت مرتفع وأتكلم حتى مع الأشياء

أصارع رتابة الأيام وهجر النوم للجفون

ألعن بمنتهى الوقاحة والجفاء

من امتصوا دمي ونهشوا عظامي

ليتركوني خارطة تعبر عن عالم البؤس....

 

الضفة الثانية:

 

عندما اصحوا يوما بعد سبات عميق

أجد نفسي كهلا ممدود القد

اصطف في طابور ينتظر سحب منح التقاعد

أشتري أول ساعة في حياتي

اعكس حركة عقاربها للأضبط إيقاع حياتي الخاصة

سأكون بعدها موظف أو عامل في الميناء

أكرس كل وقتي لتوفير لقمة عيش وكساء

وأدوات مدرسية للأولاد...

وأقترض مبلغا ضخما كنت قد سددته في ما مضى من حياتي

أوفر منزلا وسيارة وأقترض مرة أخرى بعد التسديد طبعا

لشراء مستلزمات العيد..

ويصبح موظف البنك صديقا مقربا بعد القرض الثالث

المخصص للعطلة الصيفية...

 

الضفة الثالثة:

 

عندما أعود من قضاء عطلة صيف طويل

أكون شابا يافعا لايفكر إلا في عيش اللحظة

أبتز أمي أولا ولا أذخر جهدا مع أبي لتوفير بعض الدريهمات

أجلس على حافة الكرنيش الى جانب أخر صديقة تعرفت عليها صدفة في القطار

أرسم لها عالما من الورد والسراب وأتركها في حلمها لأذوب بين ثنايا العمر

 

الضفة الرابعة:

 

طفلا أكون اليوم

مشغولا بتأتيت فضاء روحي

باللعب والإكتشاف

لا أتحمل أي مسؤولية ولا تهمني أسباب النزاعات

كل مايهمني من يقدم لي حلوى قبل التقبيل

اكره من يغتصب حريتي فقيها كان أو معلما

أكسر أول طبشور وأرمي لوحتي وأفقد أخر الكلمات

أحبو على ركبتي بحثا عن المجهول...

 

الضفة الخامسة:

 

اتسلل في صمت الى بطن أمي دون أن تحس بألم المخاض

أسبح في فضاء الدفء

اكون سيد عالمي الخاص

لا يضايقني صاحب دكان ولا أأدي فواتير ولا ضرائب

ولا أكلف نفسي حتى عناء الأكل ..

 

آخر الضفاف:

 

أتلاشى بعدها وأعود في جو سرمدي

أبحث عن فرصة لأتسرب  الى هذه الحياة

مرة أخرى بين زحمة النزوات........

 

 

 

 

 

 

(4) تعليقات

مخاض بين الضفاف

مخاض بين الضفاف

كانت رياح الخريف أقوى من مزاميري

كل الألواح تطايرت كما أوراقي

رسمتك سنبلة انحنت من ثقل الحبات

رسمتك قاربا يقاوم عباب بحر الظلمات

رأيتك أمي تدلي ثدي الحنان

تروي عرقا تكالبت عليه السنوات العجاف

كان جسمي ممدودا بين الخطى

جرحا نازفا تعرضه قنوات الرعب كل مساء

وكنت صغيرة كالحلم الجميل

وردة تتسلل من بين صخور أيلول ..

كانت السماء غارقة في بحر الغبار

لم نختر يوم ولادتنا ..فمرحا يوم الغبار..

لا تغيير بدون غبار...لا أمطار..

أنام ثلاثون عاما وأشهد أن كل ما حولي تغير

الأرض والشجر العصافير وحتى البشر

تبدلت كل الأشياء ولم يبقى معي غير

ذاكرة مثقلة بالذكريات وصورتك حبيبتي

وتمر الفصول تباعا ويسجل الزمان

أني احبك

زهرة رمان أيلول

قطرة ندى تسللت من قلب كانون

زهرة نعمان تتسلق ظهيرة نيسان

أشعة حزيرانية تخترق صدر السماء

وعندما تنتهي الفصول

أحملك في قلبي ...

أمضي بحبك خارج الزمان والمكان

 

    

 

 

(11) تعليقات

صراع الديوك...(2)

موسم جني الجراح

هذه الضيعة التي كان يتكرر فيها كل شئ بشكل روتيني قاتل ،أصبحت تعيش حالة تغير سريعة و مستعصية على الفهم مع وصول التقنية جميلة. منذ أيام قليلة طرد البوانتور عمر من العمل لا لشئ إلا أن الشاف قدور ضبطه يتبادل الحديث معها ، فاتهمه بالتهاون ليحال على الشارع مباشرة وهو أب لإبنين ولم تكن له نوايا شريرة ،وكان قدور يعرف ذلك لكنه في نفس الوقت كان يرغب في جعله عبرة لمن تسول له نفسه الاقتراب من (الكعكة) كما كان يحلو له تسميتها وكان الجميع يعرف أن هذه التسمية لم تكن دلعا وإنما لنية في بطن قدور فهو يقيس كل الأشياء وحتى الناس بمنطق بطني وهذا ليس بالأمر الغريب فكل إنسان يقيس انطلاقا من العضو المسيطر على ذاته ...وقدور التهم يوما أربع دجاجات مشويات في رهان مع بعض الأصدقاء، حينها علق أحدهم بأنه من بين المسؤولين عن المجاعة في مجموعة أقطار.لم يكتفي بطن قدور بطرد عمر فبعده بيوم اقتنصت أذنه أصوات نساء يضحكن وهو عابر بين الأحواض فتسرب الصوت إلى بطنه، ليتخذ قرار الطرد بدون تفكير، حاولن إقناعه بأن سبب ضحكهن نكتة حكتها لهن خديجة وإن كان يرغب في سماعها لامانع، لكنه لا يتراجع .عندما وصل الخبر إلى الكابران صالح طالب في اليوم الموالي بحسابه لينسحب بشرفه،فهو دائما كان ينقل إلى مسامع فريقه بأن المرض إذا أصاب عضو فإنه ينتقل بسرعة إلى البقية واليوم لا يريد أن يكون آخر من يستفيد من دروسه. قدور غير مهتم، الجبناء وحدهم ينسحبون والضعفاء يطردون...

إلى هذا الحد جميلة لم تكن معنية بما يحدث فقدور يتخذ قراراته اعتمادا على بطنه، لذلك قررت أن تبقى بعيدة تتابع المسلسل من برجها وإذا استطاع احدهم الوصول والبوح لها بمشاعره آنذاك يكون في المسألة نظر،فهي لا تمانع على تجربة حب فلاحية قد تكون فعالة لعلاج جراح الماضي ...إلا قدور فهي أصبحت مقتنعة بأنه لن ينال قطرة عطف أبدا لا منها ولا من أي امرأة يصادفها في حياته.

الدمناتي والزوهري احتد بينهما النقاش إلى درجة الغليان، الزوهري يستعرض مهاراته في فن التغزل بالحمام فهو معجب بالطيور ويستشهد على ذلك بامتلاكه مجموعة أقفاص في منزله...أما الدمناتي الخشن فملاذه الرجولة والفحولة وما يمتلك من قوة عضلية ويستطيع هدم جبل لكسب الوردة ، محب للورد إلى درجة أنه لا يمر من الحديقة دون قطف ما يستطيع قطفه.

يوم الأربعاء كان الشاف قدور مدعوا إلى اتخاذ آخر قرار بطني في حياته. حملوه إلى المستشفي يتمغص ألما مشتكيا في إشارات من يده إلى البطن. بعد التحري لم يكن لتسممه علاقة بالعاملين في الضيعة. كيف حصل ذلك ؟ قال أحدهم(كبير الكرش تفرقع ليه ) بعد ساعات فارق الحياة وهو يطلب من الحاضرين أن يناولوه كعكة، حمل معه رغبته ورحل هكذا قضت الأيام بين أهلها قد يموت الإنسان عطشا في موسم المطر.

الدمناتي شافا ما كان يخطط له بإصرار وخبث منذ زمن ليس بالقصير يتحقق اليوم بمحض الصدفة في وقت كان كل جهده منصبا على شق الجبل للوصول إلى الوردة الأسطورية. الآن وإن كان الحزن لازال باديا على الجميع بعد موت قدور.الفقراء يحزنون حتى على أعدائهم وينسون الأحقاد في مثل هذه الظروف. يحبون الحياة ولا يرغبون في حرمان أحد منها في غالب الأحيان ...الدمناتي على القمة سعادته مؤقتا داخلية حتى تصفو الأجواء. ركز على العمل فكونزاليس أصبح ينبه باستمرار للحالة الغير مرضية للمنتوج وتراجع مردودية العمال ولا يهمه غير ذلك. قام بفصل الزوهري عن النساء وتكليفه بفريق الأعمال الشاقة معتبرا ذلك شرفا له وعمل يليق بالرجال خاصة المنافسين، هذا الخبيث يعرف كيف يوجه الضربات للخصوم. أما فريق النساء فكان من نصيب الراضي واعتبرها الضربة القاضية له، ضامنا إزاحته بشكل نهائي تكفيه الوساوس والأوهام التي ستعتريه بمجرد تذكر زوجته الطليقة،لكن الراضي من منظوره الخاص كان يرى أن ذلك تدريب له لاسترجاع مهاراته المفتقدة ويوما ما سيعود للميدان مرفوع الرأس ومن يدري قد يكون ذلك في اجل قريب.

عيناه جاحظتان تلمح الظلال في الظلام ، أذناه تلتقط الكلمة في السكوت لابد أن يوقف علال عند حده ينقل كل صغيرة وكبيرة إلى جميلة هكذا كان يرى الدمناتي ، إلى حظيرة البقر يختار له منفى اضطراري وبعدها يخلو له الجو للصفير وحتى الزعيق...الناجي مقصي من لائحة المنافسة ولا يدري بما يجري إلا ما جادت به قريحة العابرين.

أشعة حزيران تتسلل بحرها اللاذع بين متاهات البيوت البلاستيكية يرطبها نسيم المغروسات المسقية ، الوقت لايرحم هذا العنيد الزوهري لن يستسلم بسهولة ينفذ مخططاته بإصرار ويقترب يوما بعد يوم ، لابد من إهانته وإذلاله أمام الجميع حتى يحني رأسه لمرور ريح الدمناتي العاتية. هكذا وجه له أمر أمامهم للإنحناء على المعول مثل العمال وأن لا يبقى مصدرا للأوامر فقط. الزوهري من حديث النسوة ومغازلتهن طليق بين الحمام إلى المعول والوجوه المغضوب عليها المنحنية أقواسا لا تستقيم حتى في الفراش ، سبحان مبدل الأحوال ، يسأل نفسه هل هي رحلة من الجنة إلى النار دون تأشيرة ولا جواز السفر هكذا قال الدمناتي أخرج منها أيها اللعين ظل في سهوه يسترجع كل تفاصيل رحلته إلى أن قطع عليه الدمناتي الطريق مرة أخرى موجها له نفس الأمر بصوت أكثر حدة وجفاء. ينحني الزوهري ربما هو انحناء للعاصفة ،وعيناه إلى الأرض يتجرع مرارة الإهانة والضعف ، يستيقظ في نفسه ذلك الشرقي ينفض غبار مضر وربيعة ونزار ...لم يعد للحساب جدوى ولا للقدر مأوى يحمل المعول ويقف مستقيما كسيف رومي يلوح به دون اتجاه ، النسوة لا يتحملن المشاهد الدامية ، أغمي على أغلبهن. تمكنوا من إنقاذ حياته بمشقة لكن للأسف يقول الطبيب سيعيش ما تبقى من حياته فاقدا للذاكرة متثاقل الحركة. هكذا ينتهي من يشق الجبل مغرورا بقوته الخارقة التي لم يتطاول عليها حتى المرحوم الشاف قدور سابقا

يسقط حجر صغير من يد أحست الضعف أعلى الجبل لتوقف مسيرة هذا الشاب الذي لم يكن لطموحاته حدود في يوم ما.

الزوهري في السجن ولو كتب له أن يخرج بعد قضاء فترة العقوبة أكيد أنه سيجد أن كل شي تغير إلى درجة افتقاد الروابط بين الأزمنة . توقفت حياته على الماضي فلا حاضر ولا غد. ظل وفيا للتضاد مع الدمناتي حتى في الأزمنة...

أمام حديقة المركز الفرنسي يقضي الدمناتي معظم الأوقات ، لكن يداه اليوم لم تعد قادرة على الاقتراب من الورود يكتفي بالتأمل دون أن يدري ما العلاقة التي تربطه بها ولماذا القدوم إليها بدون موعد ربما لازالت هناك خلية واحدة تشتغل في ذاكرته المعطلة.

الزوهري الطليق بين المزروعات والحمام لم يعد يطيق حياة القفص . ندم أشد الندم على ماضيه مع الأقفاص لذلك طلب من أحد أقاربه تحرير كل طيوره المعتقلة في الأقفاص .بعدها طارت فراخه في الأعالي بحثا عن الحرية .نقلوه إلى مستشفى الأمراض العقلية وهو يحكي للشاف قدور والدمناتي و الناجي قصته مع الحمام.

لم تكن أسعار الصيف لتناسب منتوجات ضيعة كونزاليس لذلك سيجد نفسه أمام القاضي لعدم الإيفاء بإلتزاماته ، فكانت النتيجة تصفية الضيعة ليعود إلى بلده صفر اليدين...

جميلة تمضي حزينة بين أزقة المدينة القديمة تخاطب نفسها لماذا تصارعوا بعيدا عني .لم يقل لي أحد أحبك بصدق ؟لماذا خاضوا حربا على مملكة من سراب؟ لماذا لماذا؟ أسئلة تقاسمتها الطريق مع اشتداد الحر الأغسطي إلى وحدتها. في هذا الشرق تموت الكلمات الجميلة على الشفاه وتنتحر الأحاسيس الإنسانية على مذبحة الشرف الزائف . مضت تضمد الجراح غير مبالية بالعابرين الذين كانوا يحذقون دون أن تصل عيونهم إلى مواطن الجراح .

مع حلول فصل الشتاء ببرده القارص ، كانت الشاحنة المهترئة تلفظ أجسادا بالضيعة التي أصبحت ملكا لمقاول جديد كانت تتعالى أصواتهم . كان من بين الأسماء الحاضرة بقوة قدور و الدمناتي والزوهري....وكان الجميع ينتظر قدوم فتاة جميلة ليتغير الوجه الروتيني للأيام

من وحي العود

السرعة لا تتجاوز الصفر
(26) تعليقات

الإتحاد المغاربي المسيرة الطويلة الى الوراء

الإتحاد المغاربي المسيرة الطويلة الى الوراء

(1يونيو/تدوينة المغرب الكبير)
 
تأسس المغرب الكبير بفعل معاهدة مراكش(17فبراير1989) بحضور (معاوية ولد الطايع رئيس موريتانيا/ الشادلي بن الجديد رئيس الجزائر/ زين العابدين بنعلي رئيس تونس/ معمر القدافي رئيس الجماهيرية الليبية/ الحسن الثاني ملك المغرب ) وجاء هذا التأسيس بعد مجموعة من المحطات التاريخية. من قبيل لقاء طنجة بين زعماء الحركة الوطنية 1958 ولقاء وزراء الإقتصاد والمالية1964.الا أن العلاقات المغاربية عرفت فتورا انطلاقا من1974 بالضبط مع قضية الصحراء التي خلقت علاقات ديبلوماسية متوثرة بين المغرب والجزائر،وآنعكست على العلاقات مع باقي بلدان الإتحاد. الى حدود نهاية التمانينات ليعود لها الدفئ.

إن تأمل بنود معاهدة الإتحاد المغاربي يحيلنا مباشرة الى معاهدة ماستريخت التي أنبتق عنها الإتحاد الأوربي

. وإذا كان هذا الأخير قد وصل مرحلة التكامل العضوي بين بلدانه،وانفتح على مجموعة أوربا الشرقية ليضم 27 بلد حاليا. فإن الإتحاد المغاربي لازال يراوح المكان ، بل غدا يخطو خطوتين الى الوراء مقابل خطوة الى الأمام. فالعلاقة بين أقطاره لم تعد ترقى إلى ما كانت عليه قبل الإستقلال. لذلك نتسأل عن المعيقات التي تواجه قيام إتحاد مغاربي يرقى الى مستوى طموحات الشعوب المغاربية ؟؟؟؟

يمكن التمييزهنا بين نوعين من المعيقات :

 

معيقات موضوعية:

تتمثل أساسا في علا قة اقطار الإتحاد بالمتروبولات الإقتصادية الكبرى

.فالولايات المتحدة الأمريكية وصنيعتها الصهيونية ليس في صالحها نشوء تكثل إقليمي يعرقل مشروعها الشمال إفريقي ،والشرق أوسطي، وبالتالي فهي تتعامل مع البلدان المغاربية بشكل إنفرادي ولم يحدث مرة في التاريخ أن تعاملت معهم كتكثل إقليمي|.ولا تتوانى عن اختلاق الصراعات بين بلدانه و السعي الى تأبيدها لإضعافها.وتشتيت مواقفها...

نفس التصور تتبناه بلدان الإتحاد الأوربي ، فهي الأخرى تتعامل بشكل إنفرادي مع البلدان المغاربية في إطار الشراكة الأورو متوسطية فهي تسستتني ليبيا لأسباب لوكربية وتقصي موريتانيا لأنها غير متوسطية في لقاء لشبونة ، وتعقد مع المغرب إتفاقية صيد بحري مجحفة وتتعامل مع الجزائر وتونس بنفس المنطق .

بشكل مختصر الرأسمالية المتوحشة ليس من مصلحتها تكتل البلدان النامية ، لأنها مصدر لمواد أولية ضرورية لإقتصادها

 وأسواق إستهلاكية لسلعها. وأي تكثل لهذه البلدان يعني أتوماتيكيا تضررا لمصالح الأخرى....

المعيقات الذاتية :

 

تصنف البلدان المغاربية ضمن البلدان التابعة اقتصاديا ، الشئ الذي يؤترعلى واقعها الإقتصادي وحتى السياسي والإجتماعي

...فهي تفتقد للممارسة الديموقراطية في كافة المجالات ،فأي مشروع إقتصادي يفتقد لقاعدة ديموقراطية صلبة يكون مآله الفشل.....

ورثت البلدان المغاربية وضعية صعبة عن الإستعمار من قبيل مشكل الحدود بين المغرب والجزائر ينضاف له مشكل الصحراء الذي يجعل العلاقة بين البلدين لاتستقر على حال

.

لجوء بعض البلدان العربية الى فرض تأشيرة الدخول أمام ضغط الهجرة السرية، في وقت كان من المنتظر رفع الحواجز الجمركية وتسهيل تنقل الأشخاص.

نمو المد الأصولي مما جعل كل بلد ينغلق على نفسه في محاولة لترتيب بيته الداخلي قبل التفكير في الإتحاد مع الجيران

....

إفتقاد القيادات المغاربية لمشروع إقتصادي مغاربي واضح مما يجعل الخطاب المغاربي مناسباتيا يحل مع حلول أحد القادة بالعاصمة المجاورة ويرحل برحيله

....

ينضاف الى ذلك الضعف الإقتصادي للبلدان المغاربية، مما يجعلها في موقف المتخوف من المنافسة التي قد تشكلها على بعضها

......

ولا ننسى مشكل عويص يتمثل في تغييب صوت الشعوب فلم يحدث أن أقدمت حكومة مغاربية على تنظيم إستفتاء شعبي حول موضوع الإتحاد المغاربي كما هو الحال في أوربا مثلا

.حيث يتم اتخاد القرارات الكبرى مغاربيا بشكل بيروقراطي مما يقلص من فرص نجاحها.....

طموح الشعوب وتخلف القادة

تشترك الشعوب المغاربية مجموعة مقومات حضارية ، وتحس بوحدة المصير

.والأكيد أن طموحها بشأن التكثل هو الأخر مشترك.في وقت يقف القادة عاجزين عن تجاوز الخلافات التي تمزق حاضر المنطقة وترهن مستقبلها الى أجل غير مسمى ....

لذلك أعتقد أن الكرة الأن في يد المجتمع المدني فهو المسؤول عن إتخاد المبادرة لفرض الأمر الواقع وتجاوز المواقف والشعارات المتحجرة والحسابات الضيقة التي لن يدفع ثمنها الا أبناء شعوب المنطقة

......

وسيكون النقاش أكثر جدوى عندما نطرح أسئلة عن الكيف

. وحينها سنتبادل وجهات النظر ويمكن أن نتوصل الى أشكال للمساهمة بدفع العجلة المغاربية الى الأمام......

(6) تعليقات

صراع الديوك...

أجساد مكدسة كالسردين في شاحنة مهترئة تغادر المدينة في وقت الفجر الشتوي، متجهة الى ضيعة مسيو كونزاليس (السباليوني). تستقبلهم جحافيل الباعوض الجائعة على مرما من ضفاف نهر الطرفة بلسعاتها المؤلمة.

ما أن يتسلل نور الصباح حتى تجد الجميع بين أحواض الطماطم والفصوليا والبطيخ....رجال ونساء وأطفال كل يكدح في ناحية.وبعد ساعتين من العمل يتوقفون  نصف ساعة لتناول وجبة الفطور وحينها يتبادلون التحيات، فأثناء ركوب الشاحنة لم يكن ضجيجها ليسمح بذلك .

الشاف قدور الغليظ طبعا وطباعا لايبتسم إلا لنية في نفس يعقوب . عندما يبتسم لفتاة تشعر أنه يعد لها مصيدة، وإذا أظهرت الجفاءتجد نفسها خارج التغطية في اليوم الموالي ، الكابرانات الستة لكل طبعه وعلى أساسه تحدد فرقته وعملها،من ساء حظه يحسب على الدمناتي الخشن، وقح اللسان لا تخرج من فمه الكلمة الطيبة، تكلف فرقته دائما بالأعمال الشاقة ويوجه لها دائما الذين يرغب الشاف قدور والكابرانات في تأديبهم أو الإنتقام منهم غالبا،المعول والفأس،تقليب الأرض وإعداد الأحوض يتحول العمود الفقري الى قوس وعندما يحاول أحدهم الإستقامة مستريحا يجد الدمناتي واقفا على رأسه يلعن ويزعق.ما أصعب لقمة العيش وما أصعب الحصول على عمل،فمن يفقده اليوم قد لايحصل عليه بعد سنة في أحسن الأحوال.أما الذين يتمتعون ببعض الحظ من الذين أصلا لا حظ لهم فيجدون أنفسهم مع الكابران الأسود صالح القليل الكلام الكثير الحركة يشتغل الى جانب فريقه،ويعلمهم بدون نرفزة ولاأوامر،مهمتهم تقنية، إعداد بيوت البلاستيك وصيانة الآلات .الكل يحبه ويتمنى العمل معه.فهو لم يزجر أحدهم يوما ولو يجده نائما في أحد المخابئ.وبين الإثنين يوجد الكابران علال الثرثاروالنمام يريد من فريقه أن يكون طاقم مخابرات يزوده بما يدور في ذهن الجميع قبل وقوعه وإن رأى أحدهم لايمتتل لرغباته يوجهه للدمناتي والبقية تعرفونها. أما الراضي وإن كان إسمه لا يمت بصلة لشخصيته(قال أحد المشتغلين معه لو كانت الأسماء تباع لإشتريت له إسما قصديريا من الخردة..) كان غريب الأطوار متقلب الطباع،مرة يضحك ويناقش ويساعد وينقلب فجأة الى وحش مرعب يوبخ من يقع في طريقه.يقول بعض الخبيرين بالشؤون العامة للعمال(المتلصصين على أسرار الناس) أنه معقدبسبب طلاقه من زوجته لأسباب تتعلق بالعجز الجنسي،لذلك فهو لايستقر على حال.ربما إشاعات يروجها عنه بعض أعدائه الكثر كما يروجونها على باقي الكابرانات والشاف.فهو يلاحق العاملات ولايميز بين المتزوجات والعازبات ورغم ذلك لايصل الى مستوى الكابران الزوهري الذي اختار فريقه من الفتيات بالدرجة الأولى وبعض النساء للتغطية .وكان فريقه يعمل على تنقية الأحواض ونقشها وإزالت الطفيليات، وكن يتمنين إزالة الطفيلي الكبير من جذوره(الزوهري) فهو لم يترك أي منهن وحالها فهو لايمارس غير التنقل بين صفوفهن متحرشا ولا يغادر جموعهن حتى وقت الأكل رغم أنه قليل الثقة فهو لايأكل إن لم يشاركنه الأكل.ولايكره مرافقة حتى من يختلين لقضاء حوائجهن.وأسر لخديجة يوما بأن أكبر أمنياته أن يموت وسط النساء.لكن حظه العاثر كان له بالمرصاد فلم يكن مقبولا وسطهن الا بدافع العمل والتحمل والمجاملة خوفا من العقاب.حينما تغضبه النساء يذوب وسط الأحواض متجها نحوالناجي الكابران الإحتياطي للشكوى فيعمل الأخر على تهدئة خاطره بكأس شاي وسجارة سوداء.

الشاف قدور ليس على أحسن مايرام، جميلة التي التحقت ليومها الثالت بالعمل أذهلته وأدخلته في غيبوبة عملية لم يعدمكترت لما يدور حوله يتحرك كثلة لحمية في كل الإتجاهات بوصلته الوحيدة هي لاغير.فهي فاتنة ورشيقة وليست كادحة كلأخريات،يريد أن يلبس ثوب الحضارة بجسد الإقطاع،سبب قدومها هو التدريب ، خريجة المعهد الزراعي،تقنية متخصصة في الصيانة وهولا يملك من الشهادات إلا شهادة لاإله الا الله إن بقي متذكرا إياها.تعلم عمله بالممارسة الطويلة متنقلا بين ضيعات البلد.العمال كلهم منتبهون ،يحلمون بنظرة من الفتاة الجميلة لإغاضته وإغاضة الكابرانات الذين لم يتأخروا عن سباق المسافات الطويلة ،إنها علامات الحرب فليعد مدافعه من يراهن على الإنتصار

يتابع النشر مع حلول موسم جني الجراح

(7) تعليقات

أبيات شعرية من باب الحكمة

أبيات شعرية من باب الحكمة

IIIIIIIIII

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة

على المرء من وقع الحسام المهند

 



 

ماأجدب العمر لاحب يظلله

ماأوحش العيش دون الأهل والولد

 



 

يتخافـتون و مادروا أن الزمان لـهُ أذن

كـل الذي يخـفـونهُ يـوما ً سيظـهر للعـلـن

 



 

ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها

كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه

 



 

يا بائعـا هـذا ببخـس معـجـل

كأنـك لا تـدري ولا أنت تعـلـم


فإن كنت لاتدري فتلك مصيبة

وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

 



 

 

وإني وإن كنت الأخـــير زمانه

لآت بما لم تســــتطعه الأوائــل

 



 

 

والليالي من الزمان حبالى

صامتات يلدن كل عجيب

 



 

 

أنا الذي نظر الأعمــى إلى أدبي

وأسمــعـت كلماتي من به صــمم

الخيل والليل والبيـــداء تعرفني

والســـيف والرمح والقرطاس والقلم

 



 

لقد أسمعـت إذ ناديت حيّاً  

 ولكن لاحياة لمن تـنادي

ولو في النار تنفخ لاستنارت

 ولكن أنت تنفخ في رماد



 

ان حظي كدقيق فوق شوك نثروه

ثم قالولحفاة يوم ريح إجمعوه

 



 

اني رأيت المنايا خبط عشواء

فمن تصبه يمت ومن تخطيء يعمر فيهرم

 



 

ضعفت ومن جاز الثمانين يضعف

   وينكر منه كل ما كان يعرف

ويمشي رويدا كالأسير مقيدا  

   يداني خطاه في الحديد ويرسـف

 



 

رأيت هم جميع الناس ماملكو وما ولدو

فالحمد لله لا مال ولا ولد

 



                         

عيد بأي حال عدت يا عيد

بما مضى ام لأمر فيك تجديد

                  



كفي بك داء أن ترى الموت شافيـا

وحــسب المنايا أن يكن أمــــانيا

 



 

دعوت على عمرو فمات فسرني

وعاشرت أقواماً بكيت على عمرو

 



 

ففي العصافير جبن وهي طائره

 وفي الصقور شموخ وهي تحتضر

 



 

أعمى يقود بصيرا لا أبا لكم

قد ضل من كانت العميان تهديه

 



 

ستبـدي لك الأيام ما كنت جاهلاً  

 ويأتيك بالأخـــبـــار من لم تزود

 



 

كذا قـضت الأيام ما بين أهلهــا

مـصـائب قـوم عند قـوم فـــوائد

 



                              وردة من كل بستان

 

 

أنا يوسف...

(18) تعليقات

الرياح رفيقتي

الرياح رفيقتي

                                     أحرقت كل مراكبي خلفي  

                                      ومزقت دفاتر الذكريات

تنازلت عن قلاعي وحصوني ...والأحلام

وسجنت أحاسيسي إلى أجل غير مسمى

وما حملت معي غير همومي وغضبي زادا

أشق بها صدر محيط غادر

يستقبل ضيوفه بأسنان قرش

أرحم من طعنات الأحباب والزمان

تتلاطم أمواجه كأحلامي الطفولية

رفيقتي الرياح!!تقرر مصيري كيفما تشاء

رفقا بمركبي

فأنا مثقل بخيبات الزمان

جردتك يا وطني من كل صور البلاغة والخطابة

ووقفت على صدرك العاري في وجه الضربات

فقررت الرحيل

حملت في جيبي كمشة تراب

أدفن فيها ولعي للأرض

فاتهموني بتهريب التراب الوطني

غريبا وجدت في كل المحطات أنا

متثاقل الخطى منهزم النظرات

حصلت على الصفر في كل الدروس

وما تفوقت سوى في درس الرحيل

وتنكر الزمان لأهله كما يتنكر مريض

لعضو مصاب بسرطان لعين

ياوطني الحزين

كيف تصمد هذ الصحاري والجبال؟؟

وتتهاوى الأجساد

تحت الحبال!!!

أغنية المطر

(19) تعليقات

كلام عابر... في زمن عابر...

 

***ليس كل الكلام يقال ..وليس كل ما يقال يسمع..

     وأجمل الكلام ماقيل في وقته وفهم في سياقه.

 

***إن أهم الدروس التي يتعلمها الإنسان

      تأتي من الضربات القاسية لمدرسة الواقع.

 

***إن الناس إذا لم يكونوا يصغون إلينا كثيرا

                   فلأننا علمناهم ألا يفعلوا ذلك!!!

 

*** أن تغضب باستمرار فأنت تتصرف كطفل

          يعتقد أنه ينبغي أن يحصل على كل ما يريده

 

***لا تخشى الأصدقاء ففي أسوء الأحوال يمكن أن يخونوك..

ولا تخشى الأعداء ففي أسوء الأحوال يمكن أن يقتلوك...

بل إخشى اللا مبالون ففي صمتهم واللامبالاتهم...

     يجمعون كل ما في العالم من خيانة وقتل..

 

***إن الرهان على الحظ إنفاق مجاني للعمر...

فأن يساعدك الحظ مرة هذا يعني أنك ستصرف
 ما تبقى من عمرك في الانتظار!!

 

***إن القلب المتردد لن يحظ قط بعذراء جميلة ..!

         فالجبان يموت ألف مرة قبل أن يموت بالمرة..!

معزوفة غرناطة

(9) تعليقات

إنك لا تستطيع أن تسبح في النهر مرتين..(4)

-         ويمضي قطار الحياة

عندما تطرق اللحظات السعيدة باب القلب يحس الإنسان بجنون العظمة ويحس بأن الكون كرة بين يديه يحركها كيفما يشاء .وتصير كل  الأشياء جميلة كما تراها العين ."أنا أحب إذن أنا موجود"لا أجمل من أجواء الليل للإبحار في عرض محيطات الذاكرة ..عندما وقعت في حب سالي سهرت الليالي وتقطع قلبي ليتحول كل ذلك الألم فيما بعد إلى ذكرى لذيذة أجدها زادا في "انتظار جودو" هل أقع اليوم في نفس التجربة . أعتقد أن تجارب الحب لاتحتاج إلى تراكم فكلها تبدأ من نقطة واحدة الألم والسهر وفقدان الشهية و... مهما تعددت التجارب ، وإذا لم تكن هذه هي البداية فالتجربة مغشوشة وليست حقيقية !

تصلني مكالمة مع منتصف الليل " يجب أن تصل إلى العاصمة اليوم ..." المسألة تتعلق بالتوظيف ولاتقبل التأجيل ، لماذا الآن بالضبط في الوقت الذي أستعد لبداية تجربة طالما انتظرتها . تعكرت الأجواء في ذهني .فكرت كثيرا في الموعد مع أحلام ، اقتنعت أخيرا أن هناك أشياء يمكن تأجيلها وأخرى لاتقبل التأجيل ،وجميع الناس يتفهمون ،ذلك على كل حال سأتصل بها صباحا و أعتذر لها . حملت حقيبتي الظهرية وضعت بها بذلة واحدة (كنا أيام الدراسة الجامعية نسمي البذلة المفضلة بالبذلة الرسمية ) وخرجت من منزل النائي مترجلا مسافة الأربعة كلمترات تقريبا  لأصل إلى الشارع الرئيسي،في الطريق صادفت عابرا في حالة سكر شديد قلت في نفسي "لايسري الليل إلا عاشق أو سارق" أوقفني طالبا سجارة ، ناولته واحدة ،طلب أخرى إضافية بتودد، لم أمتنع عن الاستجابة لطلبه خاطبني وهو يبكي "أحبها حتى الجنون ولكنها غير مكترثة لحالي ، والله أحبها ..." أجبته " صدقتك، يبدو ذلك جليا ..لكن أستسمح سأتركك الآن" وأنا في طريقي فكرت هل يمكن  أن يوصلني الحب إلى مثل هذه الحالة. ربما إلى أكثر! "لي ما اعذر يتبلى "تذكرت حسن ابن الجيران في حي النخيل عندما أحب فتاة صاحبة مخدع هاتفي ،ولم يجد منها تجاوبا ولإثارة انتباهها ،قدم إلى الحي في حالة سكر شديد وكسر زجاج المخدع وزجاج المحلات المجاورة ،عاش خلالها الحي حالة رعب وبعد مجيء الشرطة للقبض عليه حاول مقاومتهم ،ليظهر شجاعته واستحقاقه للفتاة التي يحبها،علق خلالها العم إبراهيم "الحب الذي لايقود صاحبه إلى السجن ليس حبا! " . بعد نصف ساعة من الانتظار والسريان المكوكي تمكنت من ركوب سيارة نقل سري لتحملني إلى المحطة فسيارات الأجرة لا يشتغل أصحابها في هذا الوقت نظرا لقلة الزبناء.

السفر أجمل ما وجد لقتل الروتين ، إلا هذه المرة بالذات فهو يسرقني من موعد جد مهم. تدور عجلات الحافلة وأحس معها بالابتعاد والغربة وهو شعور لم تخالجني من قبل .  أحاول أن أنام قليلا لكن الحظ لم يسعفني، أتأمل ركاب الحافلة أجدهم قطعوا أشواطا في عالم الأحلام وهناك من دخل في جولات شخير. على الطريق تتعاقب السيارات بسرعة كما تتعاقب الصور في ذهني. ( سالي..أفراد أسرتي .. العم إبراهيم ..عمر..أصدقاء الدراسة ....)

يرن هاتفي المحمول قبل شروق الشمس بقليل" أي جديد  تحمله ياصبح " إنها أحلام تخبرني" معذرة لن استطيع الذهاب اليوم إلى."أقاطعها " أنا أيضا مسافر الآن وكنت سأعتذر لك حال توقف الحافلة في إحدى المحطات "تجيب "لقد أخبرتني أمي حال عودتي البارحة إلى المنزل أن خطيبا سيزورنا اليوم لطلب يدي لذلك أرجوك أن تقدر ظروفي " يتثاقل صوتي من وقع الصدمة وإرهاق السفر وقلة النوم " مبروك "انتهت المكالمة.

في مدينة الحمراء سأستقيل القطار لإتمام الطريق إلى العاصمة . لملمت جراحي وأقنعت نفسي بأن نهر الحياة لن يتوقف عن الجريان وأن أزهار الربيع لن تتوقف عن تزيين ضفافه .

أجلس على أول مقعد أجده فارغا في المقصورة ، أطلب جريدة وقهوة سوداء ، أدخن سجارتي متصفحا صفحات الجريدة دون أن يستوقفني مقال محدد (الأخبار الوطنية،الأحزاب تدخل في تحالفات استعدادا للانتخابات..الأخبار الدولية،الوضع الدولي المحتقن ينعكس على أسعار النفط...أخبار المجتمع،تفكيك شبكة للهجرة السرية..    ) أطوي جريدتي وأحاول التمدد قليلا، أجد شابة  قد جلست أمامي تسمرت عيني عليها بمجرد ما لمحتها ،هي الأخرى تنظر .تلتقي النظرات ونطيل التأمل في بعضنا .من يبدأ "إنها هي بدون شك لم تغير الأيام شيئا من ملامحها لابد من التأكد"

لاأعرف كيف سينتهي هذا اليوم كيف تتجمع كل هذه الأمور(اليوم العالمي للمفاجأت) أكسر جدار الصمت:

-         صباح الخير

-         صباح الخير

-         يبدو أننا نعرف بعضنا من قبل

-         أعتقد أننا نعرف بعضنا جيدا

-         سالي أليس كذلك؟

-         هي بعينها

نتصافح،نسأل بعضنا عن الأحوال والأهل فمن عادة أهل الجنوب الإطالة في تبادل التحيات ...

-         أين كل هذا الغياب

-         مع مشاغل الحياة الحكاية طويلة

-         أسمعيني بعض تفاصيلها فأنا في غاية الشوق

-         لقد شرحت لك الجزء الأساسي  في الرسالة التي تركتها عند العم إبراهيم لم يكن بمقدوري حينها مواجهتك بحقيقة الرحيل.

-         لككني لم أفتح الرسالة إلى يومنا هذا فقد قررت أن لا أفتحها إلا وأنت حاضرة معي

-         لقد أضعت وقتا طويلا من حياتك يا صديقي العزيز، كان من المفروض أن تطلع عليها

-         ليس مهم مامضى من العمر المهم هو ما أعيشه الآن، فأنا أحبك كما تعلمين وأستطيع أن أنتظرك إلى ما لانهاية 

-         أقدر لك ذلك وأفتكرك كثيرا وأتذكر الأيام الجميلة التي قضيتها رفقتك إنها أجمل أيام حياتي

-         قد نعيش أحسن وأجمل منها إذا ساعدتنا الظروف

-         أتمنى ذلك

-         على فكرة، إنني أحمل رسالتك معي فهي تحفة وزادي في الحياة،وأتمنى أن ،قرأها أنا وأنت

أشرع في فتح الرسالة ، يتوقف القطار في محطة البيضاء ،تستأذن سالي

-         سأعود بعد دقيقة ، أسأل في الشباك عن موعد عودة القطار،تمهل في القراءة حتى أتمكن من  مواصلتها معك بعد العودة وتسرع إلى الباب مبتسمة وتلتفت إلى الخلف لترى هل أتابعها بنظراتي ،فأضحك لتصرفاتها التي لم تغيرها الأيام

أشرع في القراءة لقد إلتزمت بالعهد الذي قطعته على نفسي.

" عزيزي سعيد أكتب لك هذه الرسالة في وقت إتخد أفراد العائلة قرارات ستغير مجرى حياتي ، لقد قرروا الهجرة إلى مدينة الساقية، وتزويجي لابن عمي الذي سيأخذني معه إلى الديار الفرنسية ،أخبرك بأنني أحبك :كثيرا لكن ليس بيدي حيلة . أتمنى أن  تجد من هي أحسن مني وتنسيك أيامي ، أما أنا فلن أنساك ، وأطلب منك أن تبدأ حياتك من جديد ولا تتوقف على ضفاف نهر الحياة تحرك فإنك لاتستطيع أن تسبح في النهر مرتين."             توقيع المجروحة سالي

مرت عشر دقائق التي سيتوقفها القطار في محطة البيضاء لكن سالي لم تعد ، أدركت حينها أنها لن تعود إلا في محطة أخرى. وتحرك القطار يطوي المسافات باتجاه كل المحطات.

                                                                             

                                                                                                     = = = إنتهى = = =

معزوفة

(3) تعليقات

إنك لاتستطيع أن تسبح في النهر مرتين...(3)

الهروب إلى الأمام ...

تهرب الأيام بلا رقيب ونعيش على الأمل ،تتغير ملامح الطبيعة بسرعة والناس أيضا ، في هذا الجنوب كل الأشياء الجميلة لا تعمر طويلا ،وفرحتنا لا تكتمل. عشر سنوات إلى الأمام غيرة الكثير داخلي ومن حولي وتسلل إلى أعماقي هم الشباب متخفيا بين ظلمات الليالي الرتيبة..."والليالي من الزمان حبالى***صامتات يلدن كل عجيب"

  وبدأت خيوط البيض تتدلى من أعلى رأسي، لم تكن أيام الدراسة الجامعية سعيدة بما يكفي ،بين صاحب الدكان وصاحب الكراء والمكتبة نصرف ما تبقى لنا من أعصاب ...أصدقاء تفرقوا كما يتفرق أبناء الطير بعد يومهم الأربعين. ما تركوا خلفهم إلا الذكريات (أرقام هواتف - صور- خواطر – قصائد- ديون – جراح...) ما أقبح أن يتحول الإنسان إلى مجرد أرقام وكلمات .

 أجد نفسي وحيدا منزويا في ركن هذا الدكان بين سلعة ما وجدت إلا لتسرق هي الأخرى ما تستطيع من عمري

معظم زبائني من التلاميذ . تعلمت منهم الكثير، بعد هذا السن أعود إلى مدرسة الصغار لأتلقى دروسا ظلت غائبة عني في الصغر وربما عن الأجيال التي عاصرتني أيضا.كان الوقت يسمح بالتهام ما يقع بين يداي من كتب ،وكانت الرواية زادي المفضل في هذه الفترة؛ إلى درجة أنني كنت أحيانا أذهب لشراء بعض حاجيات الدكان وعندما أجد رواية تنال إعجابي أشتريها بدل سلعة المحل. وكنت أرد على المعاتبين بأن هذه المهنة مجرد ضفة من ضفاف نهر الحياة ، سيتم عبورها في يوم ما وأتمنى أن يكون قريبا.

تتوالى الأيام بروتينها القاتل .أكاد أتحول إلى آلة أعيد نفس العمل حتى اختلطت في رأسي الأيام ولم أعد أميز إلا يوم في الأسبوع وهو يوم السوق نظرا للحركة التي تواكبه. رغم أنني كنت أنهك يومه إلا أنني كنت أنتظره ليس حبا للمدخول وإنما لمعرفة وجوه جديدة تنفض عن جسمي غبار الأسبوع فالماء الذي لايتجدد يتلوث .

في ذلك اليوم وقفت أمامي شابة كانت تبدوا في سنتها العشرين أوأكثر فالتجار يفضلون الزيادة دائما. أخرجتني تحيتها من إبحار في أقصى محيطات الذاكرة ...المرحوم العم إبراهيم  الذي أخبرني أحد العابرون أنه مات وهو يستمع إلى أغنية فكروني للأم كلثوم .لقد ظل وفيا لمذياعه والست إلى أخر لحظة في حياته. وعمر الذي فضل الهجرة إلى جزر الكناري مغامرا في عرض المحيط ليعود بسيارة فاخرة وزوجة شقراء ومن حينها تغير طبعا وطباعا ولم يعد يتحدث إلى بأنتم ونحن !! ..

-         طاب نهارك

-         كيف لايطيب وهذا الجمال أمامي (تكلمت وكأنني أعرفها من قبل رغم أنني أول مرة أراها !)

ابتسمت نصف ابتسامة

-         لاتكثر علي فيزيد غروري وأرفض كل من يتقدم لخطبتي.

-         إذن أنت لست جميلة.. أنت جميلة ومتواضعة أيضا

-         شكرا على هذه المجاملة الرائعة. لديا طلب إذا سمحت

-         على العين والرأس ولو كان من أدنى بقاع الأرض

-         قريب  جدا ورقة وقلم فقط .

شردت قليلا . تريدني أن أكتب لها رسالة لحبيبها ، يتحرك الدم الشرقي في عروقي ، أفكر في طريقة الرد كيف تتسرب التعابير الرومانسية من أنامل محروم ، هل أسمح لنفسي أن أكون قنطرة لعبور الآخرين إلى الضفة الأخرى ...عشرات الأسئلة والتخمينات عبرت مخيلتي في ثواني لم أتذكر كم عددها..حتى أيقظتني

- أريد أن تكتب لي طلب إلى مدير إحدى الشركات بالحي الصناعي إذا كان ممكن

تغيرت ملامحي ،ربما أدركت شعوري ، لكن كلماتها سقطت عليا كما يسقط الفرج على محكوم بالإعدام لا يهمني غير ذلك .. 

-         بسيط ولكن من قال لك أنني أعرف الكتابة

-         ومن لايعرفك في تكساس (اسم لهذا الحي كما يحب أبناءه أن يسموه بدل المراسي)

هناك أشياء يصعب فهمها في النساء رغم أنهن لا يغادرن البيوت كثيرا فإنه لا يفوتهن خبر مهما صغر أو كبر (تذكرت العم إبراهيم وحي النخيل ربما تتلمذ على يد امرأة ، لكن قدراته أكبر من ذلك قد تكون موهبة)

-         ما يهمني معرفتك أنت وليس كل الناس . أين كنت مختبئة حتى الأن؟

-         أراك تتقن فن التغزل بالفتيات ، ربما لك تجارب كثيرة !

-         أكثر من تجارب العميان في شق الطريق..

تضحك ،وأضحك ولا أعرف كيف انفكت عقدت لساني في هذه اللحظة بعد سبات طويل ...

-         كنت أشتغل ولا أعود إلا مساء . غلبا أمر من هنا أراك منشغلا مع الزبناء أو رأسك مدلاة  في كتاب. إنك لاتنظر بعيدا ..

-         صدقت . أنا لم أكن أنظر بعيدا. لكن من اليوم أعدك أنني سأنظر بعيدا بعيدا بعيدا...

-         فقدت عملي قبل شهر بعد إفلاس الشركة كما يدعي صاحبها. لابد أن أبحث عن شغل سمعت أن شركة "مرينا" مقبلة على تشغيل عمال جدد لذلك فكرت في دفع طلب لهم .

-         أتمنى لك التوفيق من كل قلبي . إعطني معلوماتك الشخصية.

صرحت بمعظم ماتملك من معلومات . ساعدني ذلك على تكوين فكرة واضحة عنها كنست أركان قلبي من غبار الزمن الجيولوجي الرابع واستقرت متربعة على عرش ظل مجمد منذ زمن جميل بتينة . كانت تقصد ذلك وتعرف أنها تصرح بأشياء لاعلاقة لها بالعمل لكنها وجدت الأذن الصاغية لسرد جزء من سيرة ظلت حبيسة صاحبتها ... بعد تبادل حديث طويل لاأدري كم إستغرق من الوقت وكم من الزبناء امتنعت عن تلبية طلبهم. اتفقنا على أن نروح في اليوم الموالي سويا إلى شركة "مرينا " لتقديم الطلب .

بعد مغادرتها المكان كانت سالي حاضرت أمامي صورتها لم تتغير في مخيلتي . أخرجت الرسالة التي لازلت محافظا عليها . قررت فتحها لابد أن أكون شجاعا ماذا سيكون بداخلها .لابد من الحسم والدخول في تجربة جديدة ، الفرصة قد حانت وقطارالحياة يمضى مسرعا. تذكرت يوم كنا نجلس على الكرسي الإسمنتي بحديقة" السباليون" قالت  لي" لن يفرق بيننا إلا الموت " لكن الحقيقة أن الحياة هي التي فرقت بيننا .أتردد في فتح الرسالة. فهي التي تجعل سالي تعيش معي رغم طول الفراق.ربما قد تكون الآن هي الأخرى تفتكرني .يقاطعني زبون لعين في سرياني الجميل لايجدون إلا مثل هذه اللحظات لقضاء حوائجهم ...

بعد إغلاق المحل عدت إلى بيتي النائي أحمل معي الليلة مادة رائعة للسهر. سأرتب أوراق الغد بشكل لايترك للشك حيزا للانتعاش...لم تغمض عيناي ".إن غدا لناظره لقريب"

 

                                                                                       = = =  يتابع = = =   

(2) تعليقات

إنك لاتستطيع أن تسبح في النهر مرتين...(2)

على الضفة الأخرى ...

كانت تتقاسمني الأسئلة مسافة العودة ،هناك ما يثير الحيرة فعلا ، قررت قبل دخول البيت أن لاأقرأ فحوى الرسالة ، وأنا في الفراش أعدت شريطا طويلا من الصور والحكايات ،يوم التعارف ...أول لقاء..الجلسات الرومانسية تحت جدران الإعدادية ، السفر الى الشاطئ ..كلها بتفاصيلها الدقيقة ، لماذا لا ترحل هذه الأشياء بسرعة كما ترحل دروس المقررات الدراسية، وكنت أول مستقبل لشمس اليوم الموالي بعيناي المنتفختين ،فضلت الخروج من المنزل قبل ان ينته احدهم الى حالي فأكون وجبة دسمة يفتتحون بها يومهم .

هذا العجوز ربما لم ينم هو الأخر يفتح دكانه في الصباح الباكر من سيصلح حذاء في هذا الوقت ، المهم لن تفوته صغيرة ولاكبيرة وفي أي وقت ! أحاول تفاديه ،يطاردني صوته الخشن "وغير صباح الخير" ارد في دواخلي كيف يأتي خير من يديك  التي لا توزع الى الشر والمسامير الطائشة ، وعندما أدرك أن الكلمات لا تسعفني  لرد تحيته أردف "لابد أن تشاركني الفطور. يبدو أنك لم تذق النعمة مند ان سلمتك تلك الرسالة، أنا مجرد فاعل خير ولو كنت أظن أنها ستجعلك على هذا الحال لأخفيتها عنك . ماذا كان بداخلها؟"  قدم لي كأس شاي ودعاني الى مشاركته صحن الزيتون الأسود ، وتسمر ينتظر جوابا عن سؤاله ، فهدا القرد الهرم رغم تقدمه في السن يحب أخبار الصغار ويتلذذ لسماعها حتى أنه ينسج على منوالها حكايات جديدة يرويها لزبنائه المفلسين ، شعوري نحوه متناقض تماما ومزاجي بين الإعجاب فهو يستمع لي جيدا حينما يريد ويقدم نصائحه ويعطي العبر بتجاربه التي لا تنتهي ومغامراته السندبادية رغم أن الكبار يحكون عنه أنه لم يغادر حي النخيل لمدة ثلاثين سنة الإ مرات قليلة ، والكراهية فهو ثعلب ماكر وكذاب رغم أنه غير مؤد ." لم أقرأها بعد ، ولن أقرأها " يحدث نفسه " هؤلاء الصغار لايفهمون يحكمون على الأشياء قبل رؤيتها ، ربما يمتلكون حواسا إضافية أو يتوهمون ، لكنهم غلبا لا يخطؤون" فهو قد ربا الأجيال تلوى الأخرى ويعرف عقول الصغار ويعرف أيضا أنهم طريق الى قلوب الكبار والى أسرارهم أيضا ! حاول إقناعي بلإطلاع على مضمون الرسالة. قررت العود الى البيت فهو محق  " هي كلمة إن قلتها مت وإن لم تقلها مت  قلها ومت !" ....

                                                                                                   ====   يتابع    =====

(3) تعليقات

إنك لاتستطيع أن تسبح في النهر مرتين..(1)

كان الزمن صيفا ، ومن عادات الصيف جمع حقائب السفر ، في الجنوب كل الأشياء تتغير بسرعة حتى الطقس مزاجي ربما تعيش الفصول الأربع في يوم واحد..وهناك من يرى العكس.
هؤلاء الذين يعدون حقائبهم اليوم لاتبدو عليهم علامات السفر الصيفي ربما لن يعودوا بعد اليوم إنها علامات الرحيل . كل المؤشرات تدل على ذلك .شاحنة كبيرة كدس فيها العديد من الأثات. لابد من تقصي الأخبار وعند الإسكافي العم ابراهيم أجد الخبر اليقين. فهو يعرف كل صغيرة وكبيرة عن أهل الحي حتى أنه كان يخبرني عن الوجبة التي تنتظرني في البيت وأنا عائد من المدرسة . ولم يخطئ إلا مرات محدودة . كما أنه أول من يعرف السيرة الذاتية لكل وافد جديد عن الحي .عندما تحمل الى هذا الرجل الطاعن في السن حذاء لإصلاحه فستكون أخر مرة يصلح فيها ، يغرز ما تيسر من المسامير في كل الإتجاهات وعندما تعاتبه عن عمله يجيبك ببرودة أن المهم هو أنتعال الحذاء وليس جماله ويغلق الموضوع بدعوى انه منشغل ولديه طلبات عديدة من الزبناء ويرفع صوت المذياع الذي يعود موديله الى سبعينيات القرن المنصرم يصدر ضجيجا لايكاد يترك مجالا لسماع البرامج اذا قال له أحد يجب عليك التخلص من هذا الجهاز الرديئ يردد نفس الشريط الذي حفظه سكان الحي عن ظهر قلب " انه تحفة لن تجد مثيل لها في كل البلد . لقد عرض عليا سائح فرنسي مائة ألف درهم لأبيعه إياه وصورة تذكارية معه فوق ذلك لكنني رفضت.." تم يعود ليحمل مقصه ويبدأ في قص قطعة جلد. رجل مهم، طلباته كثيرة رغم أن زبنائه يعدون على رؤس الأصابع ! كان منهم والدي لذلك أجد نفسي من المحظوظين للإستفادة من خدماته الغير إسكافية طبعا. ساحمل له حذاء ابي حتى أصل الى أخر الأخبارولن أبخل عليه بهدية تليق به حتى أجعله يتحدث بدون قيود
- مساء الخير عمي إبراهيم
- مساء الخير يا ولدي 
- لقد أرسل لك والدي هذا الحذاء لإصلاحه وهذه الهدية  من عندي فمكانتك عظيمة في قلوبنا
أعرف أنه يحب الأم كلتوم كثيرا حتى أنه يسهر ليلة الجمعة يسمع روائعها رغم التشويه الذي يحدته مذياعه التحفة فكانت الهدية صورة لها حتى أصل من أقصر الطرق فالموضوع مهم ولايقبل التأجيل. العم ابراهيم رغم تقدمه في السن ظل محافظا على ذكائه وهاهو يقطع عليا الطريق مرة أخرى .
- فاتك القطار يا ولدي
- لم أفهم شيئا ياعم !!!
- ستبدي لك الأيام ماكنت جاهلا***ويأتيك بالأخبار من لم تزود
- عمي ابراهيم وضح ما تعنيه أنا لم أسالك عن شيء وأنت تتحدث عن أشياء غامضة
- المهم أنها تركت لك رسالة . ومرة قادمة إذا اردت شيء عليك المجيء من الباب وليس من النافذة .
- شكرا على كل حال المشكلة أنك تفهم كثيرا وأنا مجرد طفل عقلي محدود
- قلها لغيري وحتى الشيطان قد يصدقك أما أنا فلا تحتاج إقناعي
هذا العجوز الماكر لن تنطلي عليه حيلي ولن يصدقني بعد أن ضبطناه  متلبسا مع عشيقته. عشر سنوات مضت ولم ينسى. كان يذهب للحمام البلدي صباح يوم الأحد وفي المساء يركب سيارة أجرة وتبلعه أزقة المدينة ، وبعد تحريات قمت بها أنا وابن الجيران عمر إكتشفنا وجهته، كان المكان في طرف المدينة بعيد عن الحي ، لكننا وفي شغف طفولي مارسنا هذه اللعبة حتى النهاية. بعد أن تيقن من اننا أصبحنا على اطلاع من أمره ،بدل كل ما في وسعه لكسبنا الى جانبه حتى لانشيع الخبر،ما كان يحييره كيف وصلنا الى ذلك فأخبرناه أننا احتلنا على سائق سيارة الأجرة الذي حمله وسئلنا صاحب الدكان عن أصحاب المنزل الذي دخله فأجاب مندهشا:
- من يعتقد ان الصغار لايعرفون وبسطاء بليد ومغرور 
اليوم يرد لي بعض الجميل بعدما تيقن ان الخبر لم يصل الى الجيران . فرغم اننا كنا نبحث عن بعض خبايا الناس فإننا لم نكن من عشاق التشهير بهم . وقد نجح العم في ترك الموضوع حبيسا بيننانحن الثلاثة  لسنوات بفضل  دهائه ومغرياته المتواصلة وبعد ان استنفذ مدة صلاحيته اصبح يفتخر به جماهريا. يحكيها من بين مغامراته الشهيرة التي كان معظمها مبني على الخيال لشيوخ وبطاليي الحي المتجمهرين حول لعبة (الضامة) بالقرب من دكانه وكانوا يتلذذون بها رغم انه يعيدها تكرارا إلا انها خاضعت للتغيير في كل آن وعندما يحاول أحدهم إحراجه بكون مغمراته مجرد أساطير وكذب يرد عليه ببرودة فارس حنكته تجارب الصحراء 
- إن الأشياء لاتعاد في الحياة مرتين لذلك يجب صقلها باستمرار وإلا فقدت معناها وتلاشت ...
كان يدرك أنه لايستطيع السيطرة في مثل هذه المواقف إلا على الجزء القليل من جمهوره لكن ما يهمه هو ان تظل ذكرياته حاضرة في كل جمع فيرى من خلالها شريط حياته المتقلبة وتتجدد في عروقه دماء الحياة .
وأنا أحمل الرسالة كنت متخوفا من فضها أتمنى أن تبقى مغلقة على حالها . ما تعودت على على مثل هذا الفعل خلال سفرياتها الماضية ،في الطريق احس بتقل يتزايد على كتفاي  يجرني الى الخلف ، أسافر عبر الذاكرة. يوم الأربعاء بداية السنة الدراسية. في الطريق الى الإعدادية. الكل يريد التعرف على الوجوه الجديدة . لا أمل مع القديم. كانت فتاة شقراء بقامتها المتفرعة يبدو عليها أنها لم تعاني أزمة جوع في يوم ما، وأنها لاتعرف الهم والكدر، ابتسامة الموناليزا لاتفارق وجهها تتحرك برشاقة كعصفور. قامتها لاتتناسب ومستواها الدراسي.هذا كل ما ينقصني حتى أضع قطار حياتي على سكته الحقيقية .وأقضي سنة دراسية جيدة. السنة الماضية حصلت على لوحة شرف ، وهذه السنة أبحث عن تشجيع .في هذا السن يحس الإنسان بضرورة الأنثى في الحياة.وتشغل الجزء المهم من تفكيره، المنافسون يزداد عددهم يوما بعد الأخر وحظي بينهم يتراجع  باستمرار ، لن أغادر المعركة إلا شهيدا أو شريدا أما الإنتصار فكل المؤشرات تدل أنه مستحيل كلما ابتعدت صورتها من أمام عيني ،الأيام تمر مسرعة والسيناريو يتكرركل يوم، أنتظرها في الإستراحة أراقبها تحس بذلك لاتبدي أدنى أهتمام . أعود الى المنزل، افكر في خطت لليوم الموالي وبع تطبيقها تفشل وتتوالى الأيام ، هل يمكن أن أنفق عمري كله في التجارب والإنتظار سؤال ظل يحيرني . لابد من نقل المعركة خارج المدرسة.
                                                  يتابع النشر بعد الإجتياز الى الضفة الأخرى

(3) تعليقات

نبش الذاكرة

الإنسان كائن يتطور انطلاقا من التجارب. لذلك ففكره خاضع للتراكم وهنا يكتسي التاريخ أهمية بالغة،لكن اطلالناعلى هذا التاريخ لن يتم الى من خلال ذاكرة قوية. ولتصحيح أخطاء الماضي وتطوير ممارستنا في الحاضريبقى الماضي حاضرا بييننا،بل نافذة على المستقبل .فمن لا ماضي له لا مستقبل له...

(4) تعليقات