موسم جني الجراح هذه الضيعة التي كان يتكرر فيها كل شئ بشكل روتيني قاتل ،أصبحت تعيش حالة تغير سريعة و مستعصية على الفهم مع وصول التقنية جميلة. منذ أيام قليلة طرد البوانتور عمر من العمل لا لشئ إلا أن الشاف قدور ضبطه يتبادل الحديث معها ، فاتهمه بالتهاون ليحال على الشارع مباشرة وهو أب لإبنين ولم تكن له نوايا شريرة ،وكان قدور يعرف ذلك لكنه في نفس الوقت كان يرغب في جعله عبرة لمن تسول له نفسه الاقتراب من (الكعكة) كما كان يحلو له تسميتها وكان الجميع يعرف أن هذه التسمية لم تكن دلعا وإنما لنية في بطن قدور فهو يقيس كل الأشياء وحتى الناس بمنطق بطني وهذا ليس بالأمر الغريب فكل إنسان يقيس انطلاقا من العضو المسيطر على ذاته ...وقدور التهم يوما أربع دجاجات مشويات في رهان مع بعض الأصدقاء، حينها علق أحدهم بأنه من بين المسؤولين عن المجاعة في مجموعة أقطار.لم يكتفي بطن قدور بطرد عمر فبعده بيوم اقتنصت أذنه أصوات نساء يضحكن وهو عابر بين الأحواض فتسرب الصوت إلى بطنه، ليتخذ قرار الطرد بدون تفكير، حاولن إقناعه بأن سبب ضحكهن نكتة حكتها لهن خديجة وإن كان يرغب في سماعها لامانع، لكنه لا يتراجع .عندما وصل الخبر إلى الكابران صالح طالب في اليوم الموالي بحسابه لينسحب بشرفه،فهو دائما كان ينقل إلى مسامع فريقه بأن المرض إذا أصاب عضو فإنه ينتقل بسرعة إلى البقية واليوم لا يريد أن يكون آخر من يستفيد من دروسه. قدور غير مهتم، الجبناء وحدهم ينسحبون والضعفاء يطردون...
إلى هذا الحد جميلة لم تكن معنية بما يحدث فقدور يتخذ قراراته اعتمادا على بطنه، لذلك قررت أن تبقى بعيدة تتابع المسلسل من برجها وإذا استطاع احدهم الوصول والبوح لها بمشاعره آنذاك يكون في المسألة نظر،فهي لا تمانع على تجربة حب فلاحية قد تكون فعالة لعلاج جراح الماضي ...إلا قدور فهي أصبحت مقتنعة بأنه لن ينال قطرة عطف أبدا لا منها ولا من أي امرأة يصادفها في حياته.
الدمناتي والزوهري احتد بينهما النقاش إلى درجة الغليان، الزوهري يستعرض مهاراته في فن التغزل بالحمام فهو معجب بالطيور ويستشهد على ذلك بامتلاكه مجموعة أقفاص في منزله...أما الدمناتي الخشن فملاذه الرجولة والفحولة وما يمتلك من قوة عضلية ويستطيع هدم جبل لكسب الوردة ، محب للورد إلى درجة أنه لا يمر من الحديقة دون قطف ما يستطيع قطفه.
يوم الأربعاء كان الشاف قدور مدعوا إلى اتخاذ آخر قرار بطني في حياته. حملوه إلى المستشفي يتمغص ألما مشتكيا في إشارات من يده إلى البطن. بعد التحري لم يكن لتسممه علاقة بالعاملين في الضيعة. كيف حصل ذلك ؟ قال أحدهم(كبير الكرش تفرقع ليه ) بعد ساعات فارق الحياة وهو يطلب من الحاضرين أن يناولوه كعكة، حمل معه رغبته ورحل هكذا قضت الأيام بين أهلها قد يموت الإنسان عطشا في موسم المطر.
الدمناتي شافا ما كان يخطط له بإصرار وخبث منذ زمن ليس بالقصير يتحقق اليوم بمحض الصدفة في وقت كان كل جهده منصبا على شق الجبل للوصول إلى الوردة الأسطورية. الآن وإن كان الحزن لازال باديا على الجميع بعد موت قدور.الفقراء يحزنون حتى على أعدائهم وينسون الأحقاد في مثل هذه الظروف. يحبون الحياة ولا يرغبون في حرمان أحد منها في غالب الأحيان ...الدمناتي على القمة سعادته مؤقتا داخلية حتى تصفو الأجواء. ركز على العمل فكونزاليس أصبح ينبه باستمرار للحالة الغير مرضية للمنتوج وتراجع مردودية العمال ولا يهمه غير ذلك. قام بفصل الزوهري عن النساء وتكليفه بفريق الأعمال الشاقة معتبرا ذلك شرفا له وعمل يليق بالرجال خاصة المنافسين، هذا الخبيث يعرف كيف يوجه الضربات للخصوم. أما فريق النساء فكان من نصيب الراضي واعتبرها الضربة القاضية له، ضامنا إزاحته بشكل نهائي تكفيه الوساوس والأوهام التي ستعتريه بمجرد تذكر زوجته الطليقة،لكن الراضي من منظوره الخاص كان يرى أن ذلك تدريب له لاسترجاع مهاراته المفتقدة ويوما ما سيعود للميدان مرفوع الرأس ومن يدري قد يكون ذلك في اجل قريب.
عيناه جاحظتان تلمح الظلال في الظلام ، أذناه تلتقط الكلمة في السكوت لابد أن يوقف علال عند حده ينقل كل صغيرة وكبيرة إلى جميلة هكذا كان يرى الدمناتي ، إلى حظيرة البقر يختار له منفى اضطراري وبعدها يخلو له الجو للصفير وحتى الزعيق...الناجي مقصي من لائحة المنافسة ولا يدري بما يجري إلا ما جادت به قريحة العابرين.
أشعة حزيران تتسلل بحرها اللاذع بين متاهات البيوت البلاستيكية يرطبها نسيم المغروسات المسقية ، الوقت لايرحم هذا العنيد الزوهري لن يستسلم بسهولة ينفذ مخططاته بإصرار ويقترب يوما بعد يوم ، لابد من إهانته وإذلاله أمام الجميع حتى يحني رأسه لمرور ريح الدمناتي العاتية. هكذا وجه له أمر أمامهم للإنحناء على المعول مثل العمال وأن لا يبقى مصدرا للأوامر فقط. الزوهري من حديث النسوة ومغازلتهن طليق بين الحمام إلى المعول والوجوه المغضوب عليها المنحنية أقواسا لا تستقيم حتى في الفراش ، سبحان مبدل الأحوال ، يسأل نفسه هل هي رحلة من الجنة إلى النار دون تأشيرة ولا جواز السفر هكذا قال الدمناتي أخرج منها أيها اللعين ظل في سهوه يسترجع كل تفاصيل رحلته إلى أن قطع عليه الدمناتي الطريق مرة أخرى موجها له نفس الأمر بصوت أكثر حدة وجفاء. ينحني الزوهري ربما هو انحناء للعاصفة ،وعيناه إلى الأرض يتجرع مرارة الإهانة والضعف ، يستيقظ في نفسه ذلك الشرقي ينفض غبار مضر وربيعة ونزار ...لم يعد للحساب جدوى ولا للقدر مأوى يحمل المعول ويقف مستقيما كسيف رومي يلوح به دون اتجاه ، النسوة لا يتحملن المشاهد الدامية ، أغمي على أغلبهن. تمكنوا من إنقاذ حياته بمشقة لكن للأسف يقول الطبيب سيعيش ما تبقى من حياته فاقدا للذاكرة متثاقل الحركة. هكذا ينتهي من يشق الجبل مغرورا بقوته الخارقة التي لم يتطاول عليها حتى المرحوم الشاف قدور سابقا يسقط حجر صغير من يد أحست الضعف أعلى الجبل لتوقف مسيرة هذا الشاب الذي لم يكن لطموحاته حدود في يوم ما. الزوهري في السجن ولو كتب له أن يخرج بعد قضاء فترة العقوبة أكيد أنه سيجد أن كل شي تغير إلى درجة افتقاد الروابط بين الأزمنة . توقفت حياته على الماضي فلا حاضر ولا غد. ظل وفيا للتضاد مع الدمناتي حتى في الأزمنة...
أمام حديقة المركز الفرنسي يقضي الدمناتي معظم الأوقات ، لكن يداه اليوم لم تعد قادرة على الاقتراب من الورود يكتفي بالتأمل دون أن يدري ما العلاقة التي تربطه بها ولماذا القدوم إليها بدون موعد ربما لازالت هناك خلية واحدة تشتغل في ذاكرته المعطلة.
الزوهري الطليق بين المزروعات والحمام لم يعد يطيق حياة القفص . ندم أشد الندم على ماضيه مع الأقفاص لذلك طلب من أحد أقاربه تحرير كل طيوره المعتقلة في الأقفاص .بعدها طارت فراخه في الأعالي بحثا عن الحرية .نقلوه إلى مستشفى الأمراض العقلية وهو يحكي للشاف قدور والدمناتي و الناجي قصته مع الحمام.
لم تكن أسعار الصيف لتناسب منتوجات ضيعة كونزاليس لذلك سيجد نفسه أمام القاضي لعدم الإيفاء بإلتزاماته ، فكانت النتيجة تصفية الضيعة ليعود إلى بلده صفر اليدين...
جميلة تمضي حزينة بين أزقة المدينة القديمة تخاطب نفسها لماذا تصارعوا بعيدا عني .لم يقل لي أحد أحبك بصدق ؟لماذا خاضوا حربا على مملكة من سراب؟ لماذا لماذا؟ أسئلة تقاسمتها الطريق مع اشتداد الحر الأغسطي إلى وحدتها. في هذا الشرق تموت الكلمات الجميلة على الشفاه وتنتحر الأحاسيس الإنسانية على مذبحة الشرف الزائف . مضت تضمد الجراح غير مبالية بالعابرين الذين كانوا يحذقون دون أن تصل عيونهم إلى مواطن الجراح .
مع حلول فصل الشتاء ببرده القارص ، كانت الشاحنة المهترئة تلفظ أجسادا بالضيعة التي أصبحت ملكا لمقاول جديد كانت تتعالى أصواتهم . كان من بين الأسماء الحاضرة بقوة قدور و الدمناتي والزوهري....وكان الجميع ينتظر قدوم فتاة جميلة ليتغير الوجه الروتيني للأيام
أجساد مكدسة كالسردين في شاحنة مهترئة تغادر المدينة في وقت الفجر الشتوي، متجهة الى ضيعة مسيو كونزاليس (السباليوني). تستقبلهم جحافيل الباعوض الجائعة على مرما من ضفاف نهر الطرفة بلسعاتها المؤلمة.
ما أن يتسلل نور الصباح حتى تجد الجميع بين أحواض الطماطم والفصوليا والبطيخ....رجال ونساء وأطفال كل يكدح في ناحية.وبعد ساعتين من العمل يتوقفون نصف ساعة لتناول وجبة الفطور وحينها يتبادلون التحيات، فأثناء ركوب الشاحنة لم يكن ضجيجها ليسمح بذلك .
الشاف قدور الغليظ طبعا وطباعا لايبتسم إلا لنية في نفس يعقوب . عندما يبتسم لفتاة تشعر أنه يعد لها مصيدة، وإذا أظهرت الجفاءتجد نفسها خارج التغطية في اليوم الموالي ، الكابرانات الستة لكل طبعه وعلى أساسه تحدد فرقته وعملها،من ساء حظه يحسب على الدمناتي الخشن، وقح اللسان لا تخرج من فمه الكلمة الطيبة، تكلف فرقته دائما بالأعمال الشاقة ويوجه لها دائما الذين يرغب الشاف قدور والكابرانات في تأديبهم أو الإنتقام منهم غالبا،المعول والفأس،تقليب الأرض وإعداد الأحوض يتحول العمود الفقري الى قوس وعندما يحاول أحدهم الإستقامة مستريحا يجد الدمناتي واقفا على رأسه يلعن ويزعق.ما أصعب لقمة العيش وما أصعب الحصول على عمل،فمن يفقده اليوم قد لايحصل عليه بعد سنة في أحسن الأحوال.أما الذين يتمتعون ببعض الحظ من الذين أصلا لا حظ لهم فيجدون أنفسهم مع الكابران الأسود صالح القليل الكلام الكثير الحركة يشتغل الى جانب فريقه،ويعلمهم بدون نرفزة ولاأوامر،مهمتهم تقنية، إعداد بيوت البلاستيك وصيانة الآلات .الكل يحبه ويتمنى العمل معه.فهو لم يزجر أحدهم يوما ولو يجده نائما في أحد المخابئ.وبين الإثنين يوجد الكابران علال الثرثاروالنمام يريد من فريقه أن يكون طاقم مخابرات يزوده بما يدور في ذهن الجميع قبل وقوعه وإن رأى أحدهم لايمتتل لرغباته يوجهه للدمناتي والبقية تعرفونها. أما الراضي وإن كان إسمه لا يمت بصلة لشخصيته(قال أحد المشتغلين معه لو كانت الأسماء تباع لإشتريت له إسما قصديريا من الخردة..) كان غريب الأطوار متقلب الطباع،مرة يضحك ويناقش ويساعد وينقلب فجأة الى وحش مرعب يوبخ من يقع في طريقه.يقول بعض الخبيرين بالشؤون العامة للعمال(المتلصصين على أسرار الناس) أنه معقدبسبب طلاقه من زوجته لأسباب تتعلق بالعجز الجنسي،لذلك فهو لايستقر على حال.ربما إشاعات يروجها عنه بعض أعدائه الكثر كما يروجونها على باقي الكابرانات والشاف.فهو يلاحق العاملات ولايميز بين المتزوجات والعازبات ورغم ذلك لايصل الى مستوى الكابران الزوهري الذي اختار فريقه من الفتيات بالدرجة الأولى وبعض النساء للتغطية .وكان فريقه يعمل على تنقية الأحواض ونقشها وإزالت الطفيليات، وكن يتمنين إزالة الطفيلي الكبير من جذوره(الزوهري) فهو لم يترك أي منهن وحالها فهو لايمارس غير التنقل بين صفوفهن متحرشا ولا يغادر جموعهن حتى وقت الأكل رغم أنه قليل الثقة فهو لايأكل إن لم يشاركنه الأكل.ولايكره مرافقة حتى من يختلين لقضاء حوائجهن.وأسر لخديجة يوما بأن أكبر أمنياته أن يموت وسط النساء.لكن حظه العاثر كان له بالمرصاد فلم يكن مقبولا وسطهن الا بدافع العمل والتحمل والمجاملة خوفا من العقاب.حينما تغضبه النساء يذوب وسط الأحواض متجها نحوالناجي الكابران الإحتياطي للشكوى فيعمل الأخر على تهدئة خاطره بكأس شاي وسجارة سوداء.
الشاف قدور ليس على أحسن مايرام، جميلة التي التحقت ليومها الثالت بالعمل أذهلته وأدخلته في غيبوبة عملية لم يعدمكترت لما يدور حوله يتحرك كثلة لحمية في كل الإتجاهات بوصلته الوحيدة هي لاغير.فهي فاتنة ورشيقة وليست كادحة كلأخريات،يريد أن يلبس ثوب الحضارة بجسد الإقطاع،سبب قدومها هو التدريب ، خريجة المعهد الزراعي،تقنية متخصصة في الصيانة وهولا يملك من الشهادات إلا شهادة لاإله الا الله إن بقي متذكرا إياها.تعلم عمله بالممارسة الطويلة متنقلا بين ضيعات البلد.العمال كلهم منتبهون ،يحلمون بنظرة من الفتاة الجميلة لإغاضته وإغاضة الكابرانات الذين لم يتأخروا عن سباق المسافات الطويلة ،إنها علامات الحرب فليعد مدافعه من يراهن على الإنتصار
يتابع النشر مع حلول موسم جني الجراح
- ويمضي قطار الحياة عندما تطرق اللحظات السعيدة باب القلب يحس الإنسان بجنون العظمة ويحس بأن الكون كرة بين يديه يحركها كيفما يشاء .وتصير كل الأشياء جميلة كما تراها العين ."أنا أحب إذن أنا موجود"لا أجمل من أجواء الليل للإبحار في عرض محيطات الذاكرة ..عندما وقعت في حب سالي سهرت الليالي وتقطع قلبي ليتحول كل ذلك الألم فيما بعد إلى ذكرى لذيذة أجدها زادا في "انتظار جودو" هل أقع اليوم في نفس التجربة . أعتقد أن تجارب الحب لاتحتاج إلى تراكم فكلها تبدأ من نقطة واحدة الألم والسهر وفقدان الشهية و... مهما تعددت التجارب ، وإذا لم تكن هذه هي البداية فالتجربة مغشوشة وليست حقيقية ! تصلني مكالمة مع منتصف الليل " يجب أن تصل إلى العاصمة اليوم ..." المسألة تتعلق بالتوظيف ولاتقبل التأجيل ، لماذا الآن بالضبط في الوقت الذي أستعد لبداية تجربة طالما انتظرتها . تعكرت الأجواء في ذهني .فكرت كثيرا في الموعد مع أحلام ، اقتنعت أخيرا أن هناك أشياء يمكن تأجيلها وأخرى لاتقبل التأجيل ،وجميع الناس يتفهمون ،ذلك على كل حال سأتصل بها صباحا و أعتذر لها . حملت حقيبتي الظهرية وضعت بها بذلة واحدة (كنا أيام الدراسة الجامعية نسمي البذلة المفضلة بالبذلة الرسمية ) وخرجت من منزل النائي مترجلا مسافة الأربعة كلمترات تقريبا لأصل إلى الشارع الرئيسي،في الطريق صادفت عابرا في حالة سكر شديد قلت في نفسي "لايسري الليل إلا عاشق أو سارق" أوقفني طالبا سجارة ، ناولته واحدة ،طلب أخرى إضافية بتودد، لم أمتنع عن الاستجابة لطلبه خاطبني وهو يبكي "أحبها حتى الجنون ولكنها غير مكترثة لحالي ، والله أحبها ..." أجبته " صدقتك، يبدو ذلك جليا ..لكن أستسمح سأتركك الآن" وأنا في طريقي فكرت هل يمكن أن يوصلني الحب إلى مثل هذه الحالة. ربما إلى أكثر! "لي ما اعذر يتبلى "تذكرت حسن ابن الجيران في حي النخيل عندما أحب فتاة صاحبة مخدع هاتفي ،ولم يجد منها تجاوبا ولإثارة انتباهها ،قدم إلى الحي في حالة سكر شديد وكسر زجاج المخدع وزجاج المحلات المجاورة ،عاش خلالها الحي حالة رعب وبعد مجيء الشرطة للقبض عليه حاول مقاومتهم ،ليظهر شجاعته واستحقاقه للفتاة التي يحبها،علق خلالها العم إبراهيم "الحب الذي لايقود صاحبه إلى السجن ليس حبا! " . بعد نصف ساعة من الانتظار والسريان المكوكي تمكنت من ركوب سيارة نقل سري لتحملني إلى المحطة فسيارات الأجرة لا يشتغل أصحابها في هذا الوقت نظرا لقلة الزبناء. السفر أجمل ما وجد لقتل الروتين ، إلا هذه المرة بالذات فهو يسرقني من موعد جد مهم. تدور عجلات الحافلة وأحس معها بالابتعاد والغربة وهو شعور لم تخالجني من قبل . أحاول أن أنام قليلا لكن الحظ لم يسعفني، أتأمل ركاب الحافلة أجدهم قطعوا أشواطا في عالم الأحلام وهناك من دخل في جولات شخير. على الطريق تتعاقب السيارات بسرعة كما تتعاقب الصور في ذهني. ( سالي..أفراد أسرتي .. العم إبراهيم ..عمر..أصدقاء الدراسة ....) يرن هاتفي المحمول قبل شروق الشمس بقليل" أي جديد تحمله ياصبح " إنها أحلام تخبرني" معذرة لن استطيع الذهاب اليوم إلى."أقاطعها " أنا أيضا مسافر الآن وكنت سأعتذر لك حال توقف الحافلة في إحدى المحطات "تجيب "لقد أخبرتني أمي حال عودتي البارحة إلى المنزل أن خطيبا سيزورنا اليوم لطلب يدي لذلك أرجوك أن تقدر ظروفي " يتثاقل صوتي من وقع الصدمة وإرهاق السفر وقلة النوم " مبروك "انتهت المكالمة. في مدينة الحمراء سأستقيل القطار لإتمام الطريق إلى العاصمة . لملمت جراحي وأقنعت نفسي بأن نهر الحياة لن يتوقف عن الجريان وأن أزهار الربيع لن تتوقف عن تزيين ضفافه . أجلس على أول مقعد أجده فارغا في المقصورة ، أطلب جريدة وقهوة سوداء ، أدخن سجارتي متصفحا صفحات الجريدة دون أن يستوقفني مقال محدد (الأخبار الوطنية،الأحزاب تدخل في تحالفات استعدادا للانتخابات..الأخبار الدولية،الوضع الدولي المحتقن ينعكس على أسعار النفط...أخبار المجتمع،تفكيك شبكة للهجرة السرية.. ) أطوي جريدتي وأحاول التمدد قليلا، أجد شابة قد جلست أمامي تسمرت عيني عليها بمجرد ما لمحتها ،هي الأخرى تنظر .تلتقي النظرات ونطيل التأمل في بعضنا .من يبدأ "إنها هي بدون شك لم تغير الأيام شيئا من ملامحها لابد من التأكد" لاأعرف كيف سينتهي هذا اليوم كيف تتجمع كل هذه الأمور(اليوم العالمي للمفاجأت) أكسر جدار الصمت: - صباح الخير - صباح الخير - يبدو أننا نعرف بعضنا من قبل - أعتقد أننا نعرف بعضنا جيدا - سالي أليس كذلك؟ - هي بعينها نتصافح،نسأل بعضنا عن الأحوال والأهل فمن عادة أهل الجنوب الإطالة في تبادل التحيات ... - أين كل هذا الغياب - مع مشاغل الحياة الحكاية طويلة - أسمعيني بعض تفاصيلها فأنا في غاية الشوق - لقد شرحت لك الجزء الأساسي في الرسالة التي تركتها عند العم إبراهيم لم يكن بمقدوري حينها مواجهتك بحقيقة الرحيل. - لككني لم أفتح الرسالة إلى يومنا هذا فقد قررت أن لا أفتحها إلا وأنت حاضرة معي - لقد أضعت وقتا طويلا من حياتك يا صديقي العزيز، كان من المفروض أن تطلع عليها - ليس مهم مامضى من العمر المهم هو ما أعيشه الآن، فأنا أحبك كما تعلمين وأستطيع أن أنتظرك إلى ما لانهاية - أقدر لك ذلك وأفتكرك كثيرا وأتذكر الأيام الجميلة التي قضيتها رفقتك إنها أجمل أيام حياتي - قد نعيش أحسن وأجمل منها إذا ساعدتنا الظروف - أتمنى ذلك - على فكرة، إنني أحمل رسالتك معي فهي تحفة وزادي في الحياة،وأتمنى أن ،قرأها أنا وأنت أشرع في فتح الرسالة ، يتوقف القطار في محطة البيضاء ،تستأذن سالي - سأعود بعد دقيقة ، أسأل في الشباك عن موعد عودة القطار،تمهل في القراءة حتى أتمكن من مواصلتها معك بعد العودة وتسرع إلى الباب مبتسمة وتلتفت إلى الخلف لترى هل أتابعها بنظراتي ،فأضحك لتصرفاتها التي لم تغيرها الأيام أشرع في القراءة لقد إلتزمت بالعهد الذي قطعته على نفسي. " عزيزي سعيد أكتب لك هذه الرسالة في وقت إتخد أفراد العائلة قرارات ستغير مجرى حياتي ، لقد قرروا الهجرة إلى مدينة الساقية، وتزويجي لابن عمي الذي سيأخذني معه إلى الديار الفرنسية ،أخبرك بأنني أحبك :كثيرا لكن ليس بيدي حيلة . أتمنى أن تجد من هي أحسن مني وتنسيك أيامي ، أما أنا فلن أنساك ، وأطلب منك أن تبدأ حياتك من جديد ولا تتوقف على ضفاف نهر الحياة تحرك فإنك لاتستطيع أن تسبح في النهر مرتين." توقيع المجروحة سالي مرت عشر دقائق التي سيتوقفها القطار في محطة البيضاء لكن سالي لم تعد ، أدركت حينها أنها لن تعود إلا في محطة أخرى. وتحرك القطار يطوي المسافات باتجاه كل المحطات. = = = إنتهى = = =
(3) تعليقات
الهروب إلى الأمام ... تهرب الأيام بلا رقيب ونعيش على الأمل ،تتغير ملامح الطبيعة بسرعة والناس أيضا ، في هذا الجنوب كل الأشياء الجميلة لا تعمر طويلا ،وفرحتنا لا تكتمل. عشر سنوات إلى الأمام غيرة الكثير داخلي ومن حولي وتسلل إلى أعماقي هم الشباب متخفيا بين ظلمات الليالي الرتيبة..."والليالي من الزمان حبالى***صامتات يلدن كل عجيب" وبدأت خيوط البيض تتدلى من أعلى رأسي، لم تكن أيام الدراسة الجامعية سعيدة بما يكفي ،بين صاحب الدكان وصاحب الكراء والمكتبة نصرف ما تبقى لنا من أعصاب ...أصدقاء تفرقوا كما يتفرق أبناء الطير بعد يومهم الأربعين. ما تركوا خلفهم إلا الذكريات (أرقام هواتف - صور- خواطر – قصائد- ديون – جراح...) ما أقبح أن يتحول الإنسان إلى مجرد أرقام وكلمات . أجد نفسي وحيدا منزويا في ركن هذا الدكان بين سلعة ما وجدت إلا لتسرق هي الأخرى ما تستطيع من عمري معظم زبائني من التلاميذ . تعلمت منهم الكثير، بعد هذا السن أعود إلى مدرسة الصغار لأتلقى دروسا ظلت غائبة عني في الصغر وربما عن الأجيال التي عاصرتني أيضا.كان الوقت يسمح بالتهام ما يقع بين يداي من كتب ،وكانت الرواية زادي المفضل في هذه الفترة؛ إلى درجة أنني كنت أحيانا أذهب لشراء بعض حاجيات الدكان وعندما أجد رواية تنال إعجابي أشتريها بدل سلعة المحل. وكنت أرد على المعاتبين بأن هذه المهنة مجرد ضفة من ضفاف نهر الحياة ، سيتم عبورها في يوم ما وأتمنى أن يكون قريبا. تتوالى الأيام بروتينها القاتل .أكاد أتحول إلى آلة أعيد نفس العمل حتى اختلطت في رأسي الأيام ولم أعد أميز إلا يوم في الأسبوع وهو يوم السوق نظرا للحركة التي تواكبه. رغم أنني كنت أنهك يومه إلا أنني كنت أنتظره ليس حبا للمدخول وإنما لمعرفة وجوه جديدة تنفض عن جسمي غبار الأسبوع فالماء الذي لايتجدد يتلوث . في ذلك اليوم وقفت أمامي شابة كانت تبدوا في سنتها العشرين أوأكثر فالتجار يفضلون الزيادة دائما. أخرجتني تحيتها من إبحار في أقصى محيطات الذاكرة ...المرحوم العم إبراهيم الذي أخبرني أحد العابرون أنه مات وهو يستمع إلى أغنية فكروني للأم كلثوم .لقد ظل وفيا لمذياعه والست إلى أخر لحظة في حياته. وعمر الذي فضل الهجرة إلى جزر الكناري مغامرا في عرض المحيط ليعود بسيارة فاخرة وزوجة شقراء ومن حينها تغير طبعا وطباعا ولم يعد يتحدث إلى بأنتم ونحن !! .. - طاب نهارك - كيف لايطيب وهذا الجمال أمامي (تكلمت وكأنني أعرفها من قبل رغم أنني أول مرة أراها !) ابتسمت نصف ابتسامة - لاتكثر علي فيزيد غروري وأرفض كل من يتقدم لخطبتي. - إذن أنت لست جميلة.. أنت جميلة ومتواضعة أيضا - شكرا على هذه المجاملة الرائعة. لديا طلب إذا سمحت - على العين والرأس ولو كان من أدنى بقاع الأرض - قريب جدا ورقة وقلم فقط . شردت قليلا . تريدني أن أكتب لها رسالة لحبيبها ، يتحرك الدم الشرقي في عروقي ، أفكر في طريقة الرد كيف تتسرب التعابير الرومانسية من أنامل محروم ، هل أسمح لنفسي أن أكون قنطرة لعبور الآخرين إلى الضفة الأخرى ...عشرات الأسئلة والتخمينات عبرت مخيلتي في ثواني لم أتذكر كم عددها..حتى أيقظتني - أريد أن تكتب لي طلب إلى مدير إحدى الشركات بالحي الصناعي إذا كان ممكن تغيرت ملامحي ،ربما أدركت شعوري ، لكن كلماتها سقطت عليا كما يسقط الفرج على محكوم بالإعدام لا يهمني غير ذلك .. - بسيط ولكن من قال لك أنني أعرف الكتابة - ومن لايعرفك في تكساس (اسم لهذا الحي كما يحب أبناءه أن يسموه بدل المراسي) هناك أشياء يصعب فهمها في النساء رغم أنهن لا يغادرن البيوت كثيرا فإنه لا يفوتهن خبر مهما صغر أو كبر (تذكرت العم إبراهيم وحي النخيل ربما تتلمذ على يد امرأة ، لكن قدراته أكبر من ذلك قد تكون موهبة) - ما يهمني معرفتك أنت وليس كل الناس . أين كنت مختبئة حتى الأن؟ - أراك تتقن فن التغزل بالفتيات ، ربما لك تجارب كثيرة ! - أكثر من تجارب العميان في شق الطريق.. تضحك ،وأضحك ولا أعرف كيف انفكت عقدت لساني في هذه اللحظة بعد سبات طويل ... - كنت أشتغل ولا أعود إلا مساء . غلبا أمر من هنا أراك منشغلا مع الزبناء أو رأسك مدلاة في كتاب. إنك لاتنظر بعيدا .. - صدقت . أنا لم أكن أنظر بعيدا. لكن من اليوم أعدك أنني سأنظر بعيدا بعيدا بعيدا... - فقدت عملي قبل شهر بعد إفلاس الشركة كما يدعي صاحبها. لابد أن أبحث عن شغل سمعت أن شركة "مرينا" مقبلة على تشغيل عمال جدد لذلك فكرت في دفع طلب لهم . - أتمنى لك التوفيق من كل قلبي . إعطني معلوماتك الشخصية. صرحت بمعظم ماتملك من معلومات . ساعدني ذلك على تكوين فكرة واضحة عنها كنست أركان قلبي من غبار الزمن الجيولوجي الرابع واستقرت متربعة على عرش ظل مجمد منذ زمن جميل بتينة . كانت تقصد ذلك وتعرف أنها تصرح بأشياء لاعلاقة لها بالعمل لكنها وجدت الأذن الصاغية لسرد جزء من سيرة ظلت حبيسة صاحبتها ... بعد تبادل حديث طويل لاأدري كم إستغرق من الوقت وكم من الزبناء امتنعت عن تلبية طلبهم. اتفقنا على أن نروح في اليوم الموالي سويا إلى شركة "مرينا " لتقديم الطلب . بعد مغادرتها المكان كانت سالي حاضرت أمامي صورتها لم تتغير في مخيلتي . أخرجت الرسالة التي لازلت محافظا عليها . قررت فتحها لابد أن أكون شجاعا ماذا سيكون بداخلها .لابد من الحسم والدخول في تجربة جديدة ، الفرصة قد حانت وقطارالحياة يمضى مسرعا. تذكرت يوم كنا نجلس على الكرسي الإسمنتي بحديقة" السباليون" قالت لي" لن يفرق بيننا إلا الموت " لكن الحقيقة أن الحياة هي التي فرقت بيننا .أتردد في فتح الرسالة. فهي التي تجعل سالي تعيش معي رغم طول الفراق.ربما قد تكون الآن هي الأخرى تفتكرني .يقاطعني زبون لعين في سرياني الجميل لايجدون إلا مثل هذه اللحظات لقضاء حوائجهم ... بعد إغلاق المحل عدت إلى بيتي النائي أحمل معي الليلة مادة رائعة للسهر. سأرتب أوراق الغد بشكل لايترك للشك حيزا للانتعاش...لم تغمض عيناي ".إن غدا لناظره لقريب" = = = يتابع = = =
على الضفة الأخرى ... كانت تتقاسمني الأسئلة مسافة العودة ،هناك ما يثير الحيرة فعلا ، قررت قبل دخول البيت أن لاأقرأ فحوى الرسالة ، وأنا في الفراش أعدت شريطا طويلا من الصور والحكايات ،يوم التعارف ...أول لقاء..الجلسات الرومانسية تحت جدران الإعدادية ، السفر الى الشاطئ ..كلها بتفاصيلها الدقيقة ، لماذا لا ترحل هذه الأشياء بسرعة كما ترحل دروس المقررات الدراسية، وكنت أول مستقبل لشمس اليوم الموالي بعيناي المنتفختين ،فضلت الخروج من المنزل قبل ان ينته احدهم الى حالي فأكون وجبة دسمة يفتتحون بها يومهم . هذا العجوز ربما لم ينم هو الأخر يفتح دكانه في الصباح الباكر من سيصلح حذاء في هذا الوقت ، المهم لن تفوته صغيرة ولاكبيرة وفي أي وقت ! أحاول تفاديه ،يطاردني صوته الخشن "وغير صباح الخير" ارد في دواخلي كيف يأتي خير من يديك التي لا توزع الى الشر والمسامير الطائشة ، وعندما أدرك أن الكلمات لا تسعفني لرد تحيته أردف "لابد أن تشاركني الفطور. يبدو أنك لم تذق النعمة مند ان سلمتك تلك الرسالة، أنا مجرد فاعل خير ولو كنت أظن أنها ستجعلك على هذا الحال لأخفيتها عنك . ماذا كان بداخلها؟" قدم لي كأس شاي ودعاني الى مشاركته صحن الزيتون الأسود ، وتسمر ينتظر جوابا عن سؤاله ، فهدا القرد الهرم رغم تقدمه في السن يحب أخبار الصغار ويتلذذ لسماعها حتى أنه ينسج على منوالها حكايات جديدة يرويها لزبنائه المفلسين ، شعوري نحوه متناقض تماما ومزاجي بين الإعجاب فهو يستمع لي جيدا حينما يريد ويقدم نصائحه ويعطي العبر بتجاربه التي لا تنتهي ومغامراته السندبادية رغم أن الكبار يحكون عنه أنه لم يغادر حي النخيل لمدة ثلاثين سنة الإ مرات قليلة ، والكراهية فهو ثعلب ماكر وكذاب رغم أنه غير مؤد ." لم أقرأها بعد ، ولن أقرأها " يحدث نفسه " هؤلاء الصغار لايفهمون يحكمون على الأشياء قبل رؤيتها ، ربما يمتلكون حواسا إضافية أو يتوهمون ، لكنهم غلبا لا يخطؤون" فهو قد ربا الأجيال تلوى الأخرى ويعرف عقول الصغار ويعرف أيضا أنهم طريق الى قلوب الكبار والى أسرارهم أيضا ! حاول إقناعي بلإطلاع على مضمون الرسالة. قررت العود الى البيت فهو محق " هي كلمة إن قلتها مت وإن لم تقلها مت قلها ومت !" .... ==== يتابع =====
<<الصفحة الرئيسية









