موسم جني الجراح هذه الضيعة التي كان يتكرر فيها كل شئ بشكل روتيني قاتل ،أصبحت تعيش حالة تغير سريعة و مستعصية على الفهم مع وصول التقنية جميلة. منذ أيام قليلة طرد البوانتور عمر من العمل لا لشئ إلا أن الشاف قدور ضبطه يتبادل الحديث معها ، فاتهمه بالتهاون ليحال على الشارع مباشرة وهو أب لإبنين ولم تكن له نوايا شريرة ،وكان قدور يعرف ذلك لكنه في نفس الوقت كان يرغب في جعله عبرة لمن تسول له نفسه الاقتراب من (الكعكة) كما كان يحلو له تسميتها وكان الجميع يعرف أن هذه التسمية لم تكن دلعا وإنما لنية في بطن قدور فهو يقيس كل الأشياء وحتى الناس بمنطق بطني وهذا ليس بالأمر الغريب فكل إنسان يقيس انطلاقا من العضو المسيطر على ذاته ...وقدور التهم يوما أربع دجاجات مشويات في رهان مع بعض الأصدقاء، حينها علق أحدهم بأنه من بين المسؤولين عن المجاعة في مجموعة أقطار.لم يكتفي بطن قدور بطرد عمر فبعده بيوم اقتنصت أذنه أصوات نساء يضحكن وهو عابر بين الأحواض فتسرب الصوت إلى بطنه، ليتخذ قرار الطرد بدون تفكير، حاولن إقناعه بأن سبب ضحكهن نكتة حكتها لهن خديجة وإن كان يرغب في سماعها لامانع، لكنه لا يتراجع .عندما وصل الخبر إلى الكابران صالح طالب في اليوم الموالي بحسابه لينسحب بشرفه،فهو دائما كان ينقل إلى مسامع فريقه بأن المرض إذا أصاب عضو فإنه ينتقل بسرعة إلى البقية واليوم لا يريد أن يكون آخر من يستفيد من دروسه. قدور غير مهتم، الجبناء وحدهم ينسحبون والضعفاء يطردون...
إلى هذا الحد جميلة لم تكن معنية بما يحدث فقدور يتخذ قراراته اعتمادا على بطنه، لذلك قررت أن تبقى بعيدة تتابع المسلسل من برجها وإذا استطاع احدهم الوصول والبوح لها بمشاعره آنذاك يكون في المسألة نظر،فهي لا تمانع على تجربة حب فلاحية قد تكون فعالة لعلاج جراح الماضي ...إلا قدور فهي أصبحت مقتنعة بأنه لن ينال قطرة عطف أبدا لا منها ولا من أي امرأة يصادفها في حياته.
الدمناتي والزوهري احتد بينهما النقاش إلى درجة الغليان، الزوهري يستعرض مهاراته في فن التغزل بالحمام فهو معجب بالطيور ويستشهد على ذلك بامتلاكه مجموعة أقفاص في منزله...أما الدمناتي الخشن فملاذه الرجولة والفحولة وما يمتلك من قوة عضلية ويستطيع هدم جبل لكسب الوردة ، محب للورد إلى درجة أنه لا يمر من الحديقة دون قطف ما يستطيع قطفه.
يوم الأربعاء كان الشاف قدور مدعوا إلى اتخاذ آخر قرار بطني في حياته. حملوه إلى المستشفي يتمغص ألما مشتكيا في إشارات من يده إلى البطن. بعد التحري لم يكن لتسممه علاقة بالعاملين في الضيعة. كيف حصل ذلك ؟ قال أحدهم(كبير الكرش تفرقع ليه ) بعد ساعات فارق الحياة وهو يطلب من الحاضرين أن يناولوه كعكة، حمل معه رغبته ورحل هكذا قضت الأيام بين أهلها قد يموت الإنسان عطشا في موسم المطر.
الدمناتي شافا ما كان يخطط له بإصرار وخبث منذ زمن ليس بالقصير يتحقق اليوم بمحض الصدفة في وقت كان كل جهده منصبا على شق الجبل للوصول إلى الوردة الأسطورية. الآن وإن كان الحزن لازال باديا على الجميع بعد موت قدور.الفقراء يحزنون حتى على أعدائهم وينسون الأحقاد في مثل هذه الظروف. يحبون الحياة ولا يرغبون في حرمان أحد منها في غالب الأحيان ...الدمناتي على القمة سعادته مؤقتا داخلية حتى تصفو الأجواء. ركز على العمل فكونزاليس أصبح ينبه باستمرار للحالة الغير مرضية للمنتوج وتراجع مردودية العمال ولا يهمه غير ذلك. قام بفصل الزوهري عن النساء وتكليفه بفريق الأعمال الشاقة معتبرا ذلك شرفا له وعمل يليق بالرجال خاصة المنافسين، هذا الخبيث يعرف كيف يوجه الضربات للخصوم. أما فريق النساء فكان من نصيب الراضي واعتبرها الضربة القاضية له، ضامنا إزاحته بشكل نهائي تكفيه الوساوس والأوهام التي ستعتريه بمجرد تذكر زوجته الطليقة،لكن الراضي من منظوره الخاص كان يرى أن ذلك تدريب له لاسترجاع مهاراته المفتقدة ويوما ما سيعود للميدان مرفوع الرأس ومن يدري قد يكون ذلك في اجل قريب.
عيناه جاحظتان تلمح الظلال في الظلام ، أذناه تلتقط الكلمة في السكوت لابد أن يوقف علال عند حده ينقل كل صغيرة وكبيرة إلى جميلة هكذا كان يرى الدمناتي ، إلى حظيرة البقر يختار له منفى اضطراري وبعدها يخلو له الجو للصفير وحتى الزعيق...الناجي مقصي من لائحة المنافسة ولا يدري بما يجري إلا ما جادت به قريحة العابرين.
أشعة حزيران تتسلل بحرها اللاذع بين متاهات البيوت البلاستيكية يرطبها نسيم المغروسات المسقية ، الوقت لايرحم هذا العنيد الزوهري لن يستسلم بسهولة ينفذ مخططاته بإصرار ويقترب يوما بعد يوم ، لابد من إهانته وإذلاله أمام الجميع حتى يحني رأسه لمرور ريح الدمناتي العاتية. هكذا وجه له أمر أمامهم للإنحناء على المعول مثل العمال وأن لا يبقى مصدرا للأوامر فقط. الزوهري من حديث النسوة ومغازلتهن طليق بين الحمام إلى المعول والوجوه المغضوب عليها المنحنية أقواسا لا تستقيم حتى في الفراش ، سبحان مبدل الأحوال ، يسأل نفسه هل هي رحلة من الجنة إلى النار دون تأشيرة ولا جواز السفر هكذا قال الدمناتي أخرج منها أيها اللعين ظل في سهوه يسترجع كل تفاصيل رحلته إلى أن قطع عليه الدمناتي الطريق مرة أخرى موجها له نفس الأمر بصوت أكثر حدة وجفاء. ينحني الزوهري ربما هو انحناء للعاصفة ،وعيناه إلى الأرض يتجرع مرارة الإهانة والضعف ، يستيقظ في نفسه ذلك الشرقي ينفض غبار مضر وربيعة ونزار ...لم يعد للحساب جدوى ولا للقدر مأوى يحمل المعول ويقف مستقيما كسيف رومي يلوح به دون اتجاه ، النسوة لا يتحملن المشاهد الدامية ، أغمي على أغلبهن. تمكنوا من إنقاذ حياته بمشقة لكن للأسف يقول الطبيب سيعيش ما تبقى من حياته فاقدا للذاكرة متثاقل الحركة. هكذا ينتهي من يشق الجبل مغرورا بقوته الخارقة التي لم يتطاول عليها حتى المرحوم الشاف قدور سابقا يسقط حجر صغير من يد أحست الضعف أعلى الجبل لتوقف مسيرة هذا الشاب الذي لم يكن لطموحاته حدود في يوم ما. الزوهري في السجن ولو كتب له أن يخرج بعد قضاء فترة العقوبة أكيد أنه سيجد أن كل شي تغير إلى درجة افتقاد الروابط بين الأزمنة . توقفت حياته على الماضي فلا حاضر ولا غد. ظل وفيا للتضاد مع الدمناتي حتى في الأزمنة...
أمام حديقة المركز الفرنسي يقضي الدمناتي معظم الأوقات ، لكن يداه اليوم لم تعد قادرة على الاقتراب من الورود يكتفي بالتأمل دون أن يدري ما العلاقة التي تربطه بها ولماذا القدوم إليها بدون موعد ربما لازالت هناك خلية واحدة تشتغل في ذاكرته المعطلة.
الزوهري الطليق بين المزروعات والحمام لم يعد يطيق حياة القفص . ندم أشد الندم على ماضيه مع الأقفاص لذلك طلب من أحد أقاربه تحرير كل طيوره المعتقلة في الأقفاص .بعدها طارت فراخه في الأعالي بحثا عن الحرية .نقلوه إلى مستشفى الأمراض العقلية وهو يحكي للشاف قدور والدمناتي و الناجي قصته مع الحمام.
لم تكن أسعار الصيف لتناسب منتوجات ضيعة كونزاليس لذلك سيجد نفسه أمام القاضي لعدم الإيفاء بإلتزاماته ، فكانت النتيجة تصفية الضيعة ليعود إلى بلده صفر اليدين...
جميلة تمضي حزينة بين أزقة المدينة القديمة تخاطب نفسها لماذا تصارعوا بعيدا عني .لم يقل لي أحد أحبك بصدق ؟لماذا خاضوا حربا على مملكة من سراب؟ لماذا لماذا؟ أسئلة تقاسمتها الطريق مع اشتداد الحر الأغسطي إلى وحدتها. في هذا الشرق تموت الكلمات الجميلة على الشفاه وتنتحر الأحاسيس الإنسانية على مذبحة الشرف الزائف . مضت تضمد الجراح غير مبالية بالعابرين الذين كانوا يحذقون دون أن تصل عيونهم إلى مواطن الجراح .
مع حلول فصل الشتاء ببرده القارص ، كانت الشاحنة المهترئة تلفظ أجسادا بالضيعة التي أصبحت ملكا لمقاول جديد كانت تتعالى أصواتهم . كان من بين الأسماء الحاضرة بقوة قدور و الدمناتي والزوهري....وكان الجميع ينتظر قدوم فتاة جميلة ليتغير الوجه الروتيني للأيام
الإتحاد المغاربي المسيرة الطويلة الى الوراء إن تأمل بنود معاهدة الإتحاد المغاربي يحيلنا مباشرة الى معاهدة ماستريخت التي أنبتق عنها الإتحاد الأوربي . وإذا كان هذا الأخير قد وصل مرحلة التكامل العضوي بين بلدانه،وانفتح على مجموعة أوربا الشرقية ليضم 27 بلد حاليا. فإن الإتحاد المغاربي لازال يراوح المكان ، بل غدا يخطو خطوتين الى الوراء مقابل خطوة الى الأمام. فالعلاقة بين أقطاره لم تعد ترقى إلى ما كانت عليه قبل الإستقلال. لذلك نتسأل عن المعيقات التي تواجه قيام إتحاد مغاربي يرقى الى مستوى طموحات الشعوب المغاربية ؟؟؟؟
يمكن التمييزهنا بين نوعين من المعيقات : معيقات موضوعية:
تتمثل أساسا في علا قة اقطار الإتحاد بالمتروبولات الإقتصادية الكبرى .فالولايات المتحدة الأمريكية وصنيعتها الصهيونية ليس في صالحها نشوء تكثل إقليمي يعرقل مشروعها الشمال إفريقي ،والشرق أوسطي، وبالتالي فهي تتعامل مع البلدان المغاربية بشكل إنفرادي ولم يحدث مرة في التاريخ أن تعاملت معهم كتكثل إقليمي|.ولا تتوانى عن اختلاق الصراعات بين بلدانه و السعي الى تأبيدها لإضعافها.وتشتيت مواقفها...
نفس التصور تتبناه بلدان الإتحاد الأوربي ، فهي الأخرى تتعامل بشكل إنفرادي مع البلدان المغاربية في إطار الشراكة الأورو متوسطية فهي تسستتني ليبيا لأسباب لوكربية وتقصي موريتانيا لأنها غير متوسطية في لقاء لشبونة ، وتعقد مع المغرب إتفاقية صيد بحري مجحفة وتتعامل مع الجزائر وتونس بنفس المنطق . بشكل مختصر الرأسمالية المتوحشة ليس من مصلحتها تكتل البلدان النامية ، لأنها مصدر لمواد أولية ضرورية لإقتصادها المعيقات الذاتية :
تصنف البلدان المغاربية ضمن البلدان التابعة اقتصاديا ، الشئ الذي يؤترعلى واقعها الإقتصادي وحتى السياسي والإجتماعي ورثت البلدان المغاربية وضعية صعبة عن الإستعمار من قبيل مشكل الحدود بين المغرب والجزائر ينضاف له مشكل الصحراء الذي يجعل العلاقة بين البلدين لاتستقر على حال لجوء بعض البلدان العربية الى فرض تأشيرة الدخول أمام ضغط الهجرة السرية، في وقت كان من المنتظر رفع الحواجز الجمركية وتسهيل تنقل الأشخاص.
نمو المد الأصولي مما جعل كل بلد ينغلق على نفسه في محاولة لترتيب بيته الداخلي قبل التفكير في الإتحاد مع الجيران إفتقاد القيادات المغاربية لمشروع إقتصادي مغاربي واضح مما يجعل الخطاب المغاربي مناسباتيا يحل مع حلول أحد القادة بالعاصمة المجاورة ويرحل برحيله ينضاف الى ذلك الضعف الإقتصادي للبلدان المغاربية، مما يجعلها في موقف المتخوف من المنافسة التي قد تشكلها على بعضها ولا ننسى مشكل عويص يتمثل في تغييب صوت الشعوب فلم يحدث أن أقدمت حكومة مغاربية على تنظيم إستفتاء شعبي حول موضوع الإتحاد المغاربي كما هو الحال في أوربا مثلا .حيث يتم اتخاد القرارات الكبرى مغاربيا بشكل بيروقراطي مما يقلص من فرص نجاحها.....
طموح الشعوب وتخلف القادة تشترك الشعوب المغاربية مجموعة مقومات حضارية ، وتحس بوحدة المصير .والأكيد أن طموحها بشأن التكثل هو الأخر مشترك.في وقت يقف القادة عاجزين عن تجاوز الخلافات التي تمزق حاضر المنطقة وترهن مستقبلها الى أجل غير مسمى ....
لذلك أعتقد أن الكرة الأن في يد المجتمع المدني فهو المسؤول عن إتخاد المبادرة لفرض الأمر الواقع وتجاوز المواقف والشعارات المتحجرة والحسابات الضيقة التي لن يدفع ثمنها الا أبناء شعوب المنطقة وسيكون النقاش أكثر جدوى عندما نطرح أسئلة عن الكيف . وحينها سنتبادل وجهات النظر ويمكن أن نتوصل الى أشكال للمساهمة بدفع العجلة المغاربية الى الأمام......
<<الصفحة الرئيسية









