وشم الذاكرة...على ضفاف نهر الحياة...
يا رياح الخريف رفقا بقاربي الحزين...حتى يرسو على إحدى الضفاف

إنك لا تستطيع أن تسبح في النهر مرتين..(4)

-         ويمضي قطار الحياة

عندما تطرق اللحظات السعيدة باب القلب يحس الإنسان بجنون العظمة ويحس بأن الكون كرة بين يديه يحركها كيفما يشاء .وتصير كل  الأشياء جميلة كما تراها العين ."أنا أحب إذن أنا موجود"لا أجمل من أجواء الليل للإبحار في عرض محيطات الذاكرة ..عندما وقعت في حب سالي سهرت الليالي وتقطع قلبي ليتحول كل ذلك الألم فيما بعد إلى ذكرى لذيذة أجدها زادا في "انتظار جودو" هل أقع اليوم في نفس التجربة . أعتقد أن تجارب الحب لاتحتاج إلى تراكم فكلها تبدأ من نقطة واحدة الألم والسهر وفقدان الشهية و... مهما تعددت التجارب ، وإذا لم تكن هذه هي البداية فالتجربة مغشوشة وليست حقيقية !

تصلني مكالمة مع منتصف الليل " يجب أن تصل إلى العاصمة اليوم ..." المسألة تتعلق بالتوظيف ولاتقبل التأجيل ، لماذا الآن بالضبط في الوقت الذي أستعد لبداية تجربة طالما انتظرتها . تعكرت الأجواء في ذهني .فكرت كثيرا في الموعد مع أحلام ، اقتنعت أخيرا أن هناك أشياء يمكن تأجيلها وأخرى لاتقبل التأجيل ،وجميع الناس يتفهمون ،ذلك على كل حال سأتصل بها صباحا و أعتذر لها . حملت حقيبتي الظهرية وضعت بها بذلة واحدة (كنا أيام الدراسة الجامعية نسمي البذلة المفضلة بالبذلة الرسمية ) وخرجت من منزل النائي مترجلا مسافة الأربعة كلمترات تقريبا  لأصل إلى الشارع الرئيسي،في الطريق صادفت عابرا في حالة سكر شديد قلت في نفسي "لايسري الليل إلا عاشق أو سارق" أوقفني طالبا سجارة ، ناولته واحدة ،طلب أخرى إضافية بتودد، لم أمتنع عن الاستجابة لطلبه خاطبني وهو يبكي "أحبها حتى الجنون ولكنها غير مكترثة لحالي ، والله أحبها ..." أجبته " صدقتك، يبدو ذلك جليا ..لكن أستسمح سأتركك الآن" وأنا في طريقي فكرت هل يمكن  أن يوصلني الحب إلى مثل هذه الحالة. ربما إلى أكثر! "لي ما اعذر يتبلى "تذكرت حسن ابن الجيران في حي النخيل عندما أحب فتاة صاحبة مخدع هاتفي ،ولم يجد منها تجاوبا ولإثارة انتباهها ،قدم إلى الحي في حالة سكر شديد وكسر زجاج المخدع وزجاج المحلات المجاورة ،عاش خلالها الحي حالة رعب وبعد مجيء الشرطة للقبض عليه حاول مقاومتهم ،ليظهر شجاعته واستحقاقه للفتاة التي يحبها،علق خلالها العم إبراهيم "الحب الذي لايقود صاحبه إلى السجن ليس حبا! " . بعد نصف ساعة من الانتظار والسريان المكوكي تمكنت من ركوب سيارة نقل سري لتحملني إلى المحطة فسيارات الأجرة لا يشتغل أصحابها في هذا الوقت نظرا لقلة الزبناء.

السفر أجمل ما وجد لقتل الروتين ، إلا هذه المرة بالذات فهو يسرقني من موعد جد مهم. تدور عجلات الحافلة وأحس معها بالابتعاد والغربة وهو شعور لم تخالجني من قبل .  أحاول أن أنام قليلا لكن الحظ لم يسعفني، أتأمل ركاب الحافلة أجدهم قطعوا أشواطا في عالم الأحلام وهناك من دخل في جولات شخير. على الطريق تتعاقب السيارات بسرعة كما تتعاقب الصور في ذهني. ( سالي..أفراد أسرتي .. العم إبراهيم ..عمر..أصدقاء الدراسة ....)

يرن هاتفي المحمول قبل شروق الشمس بقليل" أي جديد  تحمله ياصبح " إنها أحلام تخبرني" معذرة لن استطيع الذهاب اليوم إلى."أقاطعها " أنا أيضا مسافر الآن وكنت سأعتذر لك حال توقف الحافلة في إحدى المحطات "تجيب "لقد أخبرتني أمي حال عودتي البارحة إلى المنزل أن خطيبا سيزورنا اليوم لطلب يدي لذلك أرجوك أن تقدر ظروفي " يتثاقل صوتي من وقع الصدمة وإرهاق السفر وقلة النوم " مبروك "انتهت المكالمة.

في مدينة الحمراء سأستقيل القطار لإتمام الطريق إلى العاصمة . لملمت جراحي وأقنعت نفسي بأن نهر الحياة لن يتوقف عن الجريان وأن أزهار الربيع لن تتوقف عن تزيين ضفافه .

أجلس على أول مقعد أجده فارغا في المقصورة ، أطلب جريدة وقهوة سوداء ، أدخن سجارتي متصفحا صفحات الجريدة دون أن يستوقفني مقال محدد (الأخبار الوطنية،الأحزاب تدخل في تحالفات استعدادا للانتخابات..الأخبار الدولية،الوضع الدولي المحتقن ينعكس على أسعار النفط...أخبار المجتمع،تفكيك شبكة للهجرة السرية..    ) أطوي جريدتي وأحاول التمدد قليلا، أجد شابة  قد جلست أمامي تسمرت عيني عليها بمجرد ما لمحتها ،هي الأخرى تنظر .تلتقي النظرات ونطيل التأمل في بعضنا .من يبدأ "إنها هي بدون شك لم تغير الأيام شيئا من ملامحها لابد من التأكد"

لاأعرف كيف سينتهي هذا اليوم كيف تتجمع كل هذه الأمور(اليوم العالمي للمفاجأت) أكسر جدار الصمت:

-         صباح الخير

-         صباح الخير

-         يبدو أننا نعرف بعضنا من قبل

-         أعتقد أننا نعرف بعضنا جيدا

-         سالي أليس كذلك؟

-         هي بعينها

نتصافح،نسأل بعضنا عن الأحوال والأهل فمن عادة أهل الجنوب الإطالة في تبادل التحيات ...

-         أين كل هذا الغياب

-         مع مشاغل الحياة الحكاية طويلة

-         أسمعيني بعض تفاصيلها فأنا في غاية الشوق

-         لقد شرحت لك الجزء الأساسي  في الرسالة التي تركتها عند العم إبراهيم لم يكن بمقدوري حينها مواجهتك بحقيقة الرحيل.

-         لككني لم أفتح الرسالة إلى يومنا هذا فقد قررت أن لا أفتحها إلا وأنت حاضرة معي

-         لقد أضعت وقتا طويلا من حياتك يا صديقي العزيز، كان من المفروض أن تطلع عليها

-         ليس مهم مامضى من العمر المهم هو ما أعيشه الآن، فأنا أحبك كما تعلمين وأستطيع أن أنتظرك إلى ما لانهاية 

-         أقدر لك ذلك وأفتكرك كثيرا وأتذكر الأيام الجميلة التي قضيتها رفقتك إنها أجمل أيام حياتي

-         قد نعيش أحسن وأجمل منها إذا ساعدتنا الظروف

-         أتمنى ذلك

-         على فكرة، إنني أحمل رسالتك معي فهي تحفة وزادي في الحياة،وأتمنى أن ،قرأها أنا وأنت

أشرع في فتح الرسالة ، يتوقف القطار في محطة البيضاء ،تستأذن سالي

-         سأعود بعد دقيقة ، أسأل في الشباك عن موعد عودة القطار،تمهل في القراءة حتى أتمكن من  مواصلتها معك بعد العودة وتسرع إلى الباب مبتسمة وتلتفت إلى الخلف لترى هل أتابعها بنظراتي ،فأضحك لتصرفاتها التي لم تغيرها الأيام

أشرع في القراءة لقد إلتزمت بالعهد الذي قطعته على نفسي.

" عزيزي سعيد أكتب لك هذه الرسالة في وقت إتخد أفراد العائلة قرارات ستغير مجرى حياتي ، لقد قرروا الهجرة إلى مدينة الساقية، وتزويجي لابن عمي الذي سيأخذني معه إلى الديار الفرنسية ،أخبرك بأنني أحبك :كثيرا لكن ليس بيدي حيلة . أتمنى أن  تجد من هي أحسن مني وتنسيك أيامي ، أما أنا فلن أنساك ، وأطلب منك أن تبدأ حياتك من جديد ولا تتوقف على ضفاف نهر الحياة تحرك فإنك لاتستطيع أن تسبح في النهر مرتين."             توقيع المجروحة سالي

مرت عشر دقائق التي سيتوقفها القطار في محطة البيضاء لكن سالي لم تعد ، أدركت حينها أنها لن تعود إلا في محطة أخرى. وتحرك القطار يطوي المسافات باتجاه كل المحطات.

                                                                             

                                                                                                     = = = إنتهى = = =

معزوفة

(3) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 09 مايو, 2007 10:43 ص , من قبل نبيلة غنيم
من مصر

نداء الي كل المدونين
الإضراب الأول للمدونين
إضراب عن الكتابة من اليوم 13/4/2007
لماذا تتباطأ وزارة الصحة المصرية في إجازة العقار الجديد لعلاج مرضى فيروس ( سي ) ؟
هل لمافيا العلاج دور في ذلك ؟
http://nabilagonem.jeeran.com/archive/2007/5/219016.html
الدعاء للجميع بالصحة والسعادة


اضيف في 12 مايو, 2007 06:16 م , من قبل kindaaa
من المغرب

الصديــق : ضفــاف
/
/
رائــع ماقرأتــه لك هنــا..
هالــة من الحروف الارتوازيـــة
خلفــت الكثير من الإعجاب والدهشة..!!
سلمت وسلم فكرك واحساسك
تحيتي مقرونة بـ كل الود / كِنــدا
http://kindaaa.jeeran.com/


اضيف في 14 مايو, 2007 02:14 ص , من قبل dhifaf
من المغرب

الصديقة كندا
حضورك العبق يضفي على صفحاتي إشراقة خاصة لمساتك السحرية تستحق مني باقة ورد من بستان الصداقة..دامت كبرياؤك




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية