وشم الذاكرة...على ضفاف نهر الحياة...
يا رياح الخريف رفقا بقاربي الحزين...حتى يرسو على إحدى الضفاف

إنك لاتستطيع أن تسبح في النهر مرتين...(3)

الهروب إلى الأمام ...

تهرب الأيام بلا رقيب ونعيش على الأمل ،تتغير ملامح الطبيعة بسرعة والناس أيضا ، في هذا الجنوب كل الأشياء الجميلة لا تعمر طويلا ،وفرحتنا لا تكتمل. عشر سنوات إلى الأمام غيرة الكثير داخلي ومن حولي وتسلل إلى أعماقي هم الشباب متخفيا بين ظلمات الليالي الرتيبة..."والليالي من الزمان حبالى***صامتات يلدن كل عجيب"

  وبدأت خيوط البيض تتدلى من أعلى رأسي، لم تكن أيام الدراسة الجامعية سعيدة بما يكفي ،بين صاحب الدكان وصاحب الكراء والمكتبة نصرف ما تبقى لنا من أعصاب ...أصدقاء تفرقوا كما يتفرق أبناء الطير بعد يومهم الأربعين. ما تركوا خلفهم إلا الذكريات (أرقام هواتف - صور- خواطر – قصائد- ديون – جراح...) ما أقبح أن يتحول الإنسان إلى مجرد أرقام وكلمات .

 أجد نفسي وحيدا منزويا في ركن هذا الدكان بين سلعة ما وجدت إلا لتسرق هي الأخرى ما تستطيع من عمري

معظم زبائني من التلاميذ . تعلمت منهم الكثير، بعد هذا السن أعود إلى مدرسة الصغار لأتلقى دروسا ظلت غائبة عني في الصغر وربما عن الأجيال التي عاصرتني أيضا.كان الوقت يسمح بالتهام ما يقع بين يداي من كتب ،وكانت الرواية زادي المفضل في هذه الفترة؛ إلى درجة أنني كنت أحيانا أذهب لشراء بعض حاجيات الدكان وعندما أجد رواية تنال إعجابي أشتريها بدل سلعة المحل. وكنت أرد على المعاتبين بأن هذه المهنة مجرد ضفة من ضفاف نهر الحياة ، سيتم عبورها في يوم ما وأتمنى أن يكون قريبا.

تتوالى الأيام بروتينها القاتل .أكاد أتحول إلى آلة أعيد نفس العمل حتى اختلطت في رأسي الأيام ولم أعد أميز إلا يوم في الأسبوع وهو يوم السوق نظرا للحركة التي تواكبه. رغم أنني كنت أنهك يومه إلا أنني كنت أنتظره ليس حبا للمدخول وإنما لمعرفة وجوه جديدة تنفض عن جسمي غبار الأسبوع فالماء الذي لايتجدد يتلوث .

في ذلك اليوم وقفت أمامي شابة كانت تبدوا في سنتها العشرين أوأكثر فالتجار يفضلون الزيادة دائما. أخرجتني تحيتها من إبحار في أقصى محيطات الذاكرة ...المرحوم العم إبراهيم  الذي أخبرني أحد العابرون أنه مات وهو يستمع إلى أغنية فكروني للأم كلثوم .لقد ظل وفيا لمذياعه والست إلى أخر لحظة في حياته. وعمر الذي فضل الهجرة إلى جزر الكناري مغامرا في عرض المحيط ليعود بسيارة فاخرة وزوجة شقراء ومن حينها تغير طبعا وطباعا ولم يعد يتحدث إلى بأنتم ونحن !! ..

-         طاب نهارك

-         كيف لايطيب وهذا الجمال أمامي (تكلمت وكأنني أعرفها من قبل رغم أنني أول مرة أراها !)

ابتسمت نصف ابتسامة

-         لاتكثر علي فيزيد غروري وأرفض كل من يتقدم لخطبتي.

-         إذن أنت لست جميلة.. أنت جميلة ومتواضعة أيضا

-         شكرا على هذه المجاملة الرائعة. لديا طلب إذا سمحت

-         على العين والرأس ولو كان من أدنى بقاع الأرض

-         قريب  جدا ورقة وقلم فقط .

شردت قليلا . تريدني أن أكتب لها رسالة لحبيبها ، يتحرك الدم الشرقي في عروقي ، أفكر في طريقة الرد كيف تتسرب التعابير الرومانسية من أنامل محروم ، هل أسمح لنفسي أن أكون قنطرة لعبور الآخرين إلى الضفة الأخرى ...عشرات الأسئلة والتخمينات عبرت مخيلتي في ثواني لم أتذكر كم عددها..حتى أيقظتني

- أريد أن تكتب لي طلب إلى مدير إحدى الشركات بالحي الصناعي إذا كان ممكن

تغيرت ملامحي ،ربما أدركت شعوري ، لكن كلماتها سقطت عليا كما يسقط الفرج على محكوم بالإعدام لا يهمني غير ذلك .. 

-         بسيط ولكن من قال لك أنني أعرف الكتابة

-         ومن لايعرفك في تكساس (اسم لهذا الحي كما يحب أبناءه أن يسموه بدل المراسي)

هناك أشياء يصعب فهمها في النساء رغم أنهن لا يغادرن البيوت كثيرا فإنه لا يفوتهن خبر مهما صغر أو كبر (تذكرت العم إبراهيم وحي النخيل ربما تتلمذ على يد امرأة ، لكن قدراته أكبر من ذلك قد تكون موهبة)

-         ما يهمني معرفتك أنت وليس كل الناس . أين كنت مختبئة حتى الأن؟

-         أراك تتقن فن التغزل بالفتيات ، ربما لك تجارب كثيرة !

-         أكثر من تجارب العميان في شق الطريق..

تضحك ،وأضحك ولا أعرف كيف انفكت عقدت لساني في هذه اللحظة بعد سبات طويل ...

-         كنت أشتغل ولا أعود إلا مساء . غلبا أمر من هنا أراك منشغلا مع الزبناء أو رأسك مدلاة  في كتاب. إنك لاتنظر بعيدا ..

-         صدقت . أنا لم أكن أنظر بعيدا. لكن من اليوم أعدك أنني سأنظر بعيدا بعيدا بعيدا...

-         فقدت عملي قبل شهر بعد إفلاس الشركة كما يدعي صاحبها. لابد أن أبحث عن شغل سمعت أن شركة "مرينا" مقبلة على تشغيل عمال جدد لذلك فكرت في دفع طلب لهم .

-         أتمنى لك التوفيق من كل قلبي . إعطني معلوماتك الشخصية.

صرحت بمعظم ماتملك من معلومات . ساعدني ذلك على تكوين فكرة واضحة عنها كنست أركان قلبي من غبار الزمن الجيولوجي الرابع واستقرت متربعة على عرش ظل مجمد منذ زمن جميل بتينة . كانت تقصد ذلك وتعرف أنها تصرح بأشياء لاعلاقة لها بالعمل لكنها وجدت الأذن الصاغية لسرد جزء من سيرة ظلت حبيسة صاحبتها ... بعد تبادل حديث طويل لاأدري كم إستغرق من الوقت وكم من الزبناء امتنعت عن تلبية طلبهم. اتفقنا على أن نروح في اليوم الموالي سويا إلى شركة "مرينا " لتقديم الطلب .

بعد مغادرتها المكان كانت سالي حاضرت أمامي صورتها لم تتغير في مخيلتي . أخرجت الرسالة التي لازلت محافظا عليها . قررت فتحها لابد أن أكون شجاعا ماذا سيكون بداخلها .لابد من الحسم والدخول في تجربة جديدة ، الفرصة قد حانت وقطارالحياة يمضى مسرعا. تذكرت يوم كنا نجلس على الكرسي الإسمنتي بحديقة" السباليون" قالت  لي" لن يفرق بيننا إلا الموت " لكن الحقيقة أن الحياة هي التي فرقت بيننا .أتردد في فتح الرسالة. فهي التي تجعل سالي تعيش معي رغم طول الفراق.ربما قد تكون الآن هي الأخرى تفتكرني .يقاطعني زبون لعين في سرياني الجميل لايجدون إلا مثل هذه اللحظات لقضاء حوائجهم ...

بعد إغلاق المحل عدت إلى بيتي النائي أحمل معي الليلة مادة رائعة للسهر. سأرتب أوراق الغد بشكل لايترك للشك حيزا للانتعاش...لم تغمض عيناي ".إن غدا لناظره لقريب"

 

                                                                                       = = =  يتابع = = =   

(2) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 06 مايو, 2007 01:25 ص , من قبل zid962
من المملكة العربية السعودية

أتمنى لك التوفيق من كل قلبي

عبارات تدندن في أوتار قلبي
أريد أن أقول لك شياء أتفقد مدونتك كل يوم قبل أن أذهب الي النوم اليوم جاء الجديد تحياتي

زيدان


اضيف في 14 مايو, 2007 01:45 ص , من قبل dhifaf
من المغرب

الصديق زيدان
شكرا على حضورك المتميز ..بين صفحاتي التي تكون سعيدة بحضورك..الف تحية شكر




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية