وشم الذاكرة...على ضفاف نهر الحياة...
يا رياح الخريف رفقا بقاربي الحزين...حتى يرسو على إحدى الضفاف

صراع الديوك...

أجساد مكدسة كالسردين في شاحنة مهترئة تغادر المدينة في وقت الفجر الشتوي، متجهة الى ضيعة مسيو كونزاليس (السباليوني). تستقبلهم جحافيل الباعوض الجائعة على مرما من ضفاف نهر الطرفة بلسعاتها المؤلمة.

ما أن يتسلل نور الصباح حتى تجد الجميع بين أحواض الطماطم والفصوليا والبطيخ....رجال ونساء وأطفال كل يكدح في ناحية.وبعد ساعتين من العمل يتوقفون  نصف ساعة لتناول وجبة الفطور وحينها يتبادلون التحيات، فأثناء ركوب الشاحنة لم يكن ضجيجها ليسمح بذلك .

الشاف قدور الغليظ طبعا وطباعا لايبتسم إلا لنية في نفس يعقوب . عندما يبتسم لفتاة تشعر أنه يعد لها مصيدة، وإذا أظهرت الجفاءتجد نفسها خارج التغطية في اليوم الموالي ، الكابرانات الستة لكل طبعه وعلى أساسه تحدد فرقته وعملها،من ساء حظه يحسب على الدمناتي الخشن، وقح اللسان لا تخرج من فمه الكلمة الطيبة، تكلف فرقته دائما بالأعمال الشاقة ويوجه لها دائما الذين يرغب الشاف قدور والكابرانات في تأديبهم أو الإنتقام منهم غالبا،المعول والفأس،تقليب الأرض وإعداد الأحوض يتحول العمود الفقري الى قوس وعندما يحاول أحدهم الإستقامة مستريحا يجد الدمناتي واقفا على رأسه يلعن ويزعق.ما أصعب لقمة العيش وما أصعب الحصول على عمل،فمن يفقده اليوم قد لايحصل عليه بعد سنة في أحسن الأحوال.أما الذين يتمتعون ببعض الحظ من الذين أصلا لا حظ لهم فيجدون أنفسهم مع الكابران الأسود صالح القليل الكلام الكثير الحركة يشتغل الى جانب فريقه،ويعلمهم بدون نرفزة ولاأوامر،مهمتهم تقنية، إعداد بيوت البلاستيك وصيانة الآلات .الكل يحبه ويتمنى العمل معه.فهو لم يزجر أحدهم يوما ولو يجده نائما في أحد المخابئ.وبين الإثنين يوجد الكابران علال الثرثاروالنمام يريد من فريقه أن يكون طاقم مخابرات يزوده بما يدور في ذهن الجميع قبل وقوعه وإن رأى أحدهم لايمتتل لرغباته يوجهه للدمناتي والبقية تعرفونها. أما الراضي وإن كان إسمه لا يمت بصلة لشخصيته(قال أحد المشتغلين معه لو كانت الأسماء تباع لإشتريت له إسما قصديريا من الخردة..) كان غريب الأطوار متقلب الطباع،مرة يضحك ويناقش ويساعد وينقلب فجأة الى وحش مرعب يوبخ من يقع في طريقه.يقول بعض الخبيرين بالشؤون العامة للعمال(المتلصصين على أسرار الناس) أنه معقدبسبب طلاقه من زوجته لأسباب تتعلق بالعجز الجنسي،لذلك فهو لايستقر على حال.ربما إشاعات يروجها عنه بعض أعدائه الكثر كما يروجونها على باقي الكابرانات والشاف.فهو يلاحق العاملات ولايميز بين المتزوجات والعازبات ورغم ذلك لايصل الى مستوى الكابران الزوهري الذي اختار فريقه من الفتيات بالدرجة الأولى وبعض النساء للتغطية .وكان فريقه يعمل على تنقية الأحواض ونقشها وإزالت الطفيليات، وكن يتمنين إزالة الطفيلي الكبير من جذوره(الزوهري) فهو لم يترك أي منهن وحالها فهو لايمارس غير التنقل بين صفوفهن متحرشا ولا يغادر جموعهن حتى وقت الأكل رغم أنه قليل الثقة فهو لايأكل إن لم يشاركنه الأكل.ولايكره مرافقة حتى من يختلين لقضاء حوائجهن.وأسر لخديجة يوما بأن أكبر أمنياته أن يموت وسط النساء.لكن حظه العاثر كان له بالمرصاد فلم يكن مقبولا وسطهن الا بدافع العمل والتحمل والمجاملة خوفا من العقاب.حينما تغضبه النساء يذوب وسط الأحواض متجها نحوالناجي الكابران الإحتياطي للشكوى فيعمل الأخر على تهدئة خاطره بكأس شاي وسجارة سوداء.

الشاف قدور ليس على أحسن مايرام، جميلة التي التحقت ليومها الثالت بالعمل أذهلته وأدخلته في غيبوبة عملية لم يعدمكترت لما يدور حوله يتحرك كثلة لحمية في كل الإتجاهات بوصلته الوحيدة هي لاغير.فهي فاتنة ورشيقة وليست كادحة كلأخريات،يريد أن يلبس ثوب الحضارة بجسد الإقطاع،سبب قدومها هو التدريب ، خريجة المعهد الزراعي،تقنية متخصصة في الصيانة وهولا يملك من الشهادات إلا شهادة لاإله الا الله إن بقي متذكرا إياها.تعلم عمله بالممارسة الطويلة متنقلا بين ضيعات البلد.العمال كلهم منتبهون ،يحلمون بنظرة من الفتاة الجميلة لإغاضته وإغاضة الكابرانات الذين لم يتأخروا عن سباق المسافات الطويلة ،إنها علامات الحرب فليعد مدافعه من يراهن على الإنتصار

يتابع النشر مع حلول موسم جني الجراح

(7) تعليقات

أبيات شعرية من باب الحكمة

أبيات شعرية من باب الحكمة

IIIIIIIIII

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة

على المرء من وقع الحسام المهند

 



 

ماأجدب العمر لاحب يظلله

ماأوحش العيش دون الأهل والولد

 



 

يتخافـتون و مادروا أن الزمان لـهُ أذن

كـل الذي يخـفـونهُ يـوما ً سيظـهر للعـلـن

 



 

ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها

كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه

 



 

يا بائعـا هـذا ببخـس معـجـل

كأنـك لا تـدري ولا أنت تعـلـم


فإن كنت لاتدري فتلك مصيبة

وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

 



 

 

وإني وإن كنت الأخـــير زمانه

لآت بما لم تســــتطعه الأوائــل

 



 

 

والليالي من الزمان حبالى

صامتات يلدن كل عجيب

 



 

 

أنا الذي نظر الأعمــى إلى أدبي

وأسمــعـت كلماتي من به صــمم

الخيل والليل والبيـــداء تعرفني

والســـيف والرمح والقرطاس والقلم

 



 

لقد أسمعـت إذ ناديت حيّاً  

 ولكن لاحياة لمن تـنادي

ولو في النار تنفخ لاستنارت

 ولكن أنت تنفخ في رماد



 

ان حظي كدقيق فوق شوك نثروه

ثم قالولحفاة يوم ريح إجمعوه

 



 

اني رأيت المنايا خبط عشواء

فمن تصبه يمت ومن تخطيء يعمر فيهرم

 



 

ضعفت ومن جاز الثمانين يضعف

   وينكر منه كل ما كان يعرف

ويمشي رويدا كالأسير مقيدا  

   يداني خطاه في الحديد ويرسـف

 



 

رأيت هم جميع الناس ماملكو وما ولدو

فالحمد لله لا مال ولا ولد

 



                         

عيد بأي حال عدت يا عيد

بما مضى ام لأمر فيك تجديد

                  



كفي بك داء أن ترى الموت شافيـا

وحــسب المنايا أن يكن أمــــانيا

 



 

دعوت على عمرو فمات فسرني

وعاشرت أقواماً بكيت على عمرو

 



 

ففي العصافير جبن وهي طائره

 وفي الصقور شموخ وهي تحتضر

 



 

أعمى يقود بصيرا لا أبا لكم

قد ضل من كانت العميان تهديه

 



 

ستبـدي لك الأيام ما كنت جاهلاً  

 ويأتيك بالأخـــبـــار من لم تزود

 



 

كذا قـضت الأيام ما بين أهلهــا

مـصـائب قـوم عند قـوم فـــوائد

 



                              وردة من كل بستان

 

 

أنا يوسف...

(18) تعليقات

الرياح رفيقتي

الرياح رفيقتي

                                     أحرقت كل مراكبي خلفي  

                                      ومزقت دفاتر الذكريات

تنازلت عن قلاعي وحصوني ...والأحلام

وسجنت أحاسيسي إلى أجل غير مسمى

وما حملت معي غير همومي وغضبي زادا

أشق بها صدر محيط غادر

يستقبل ضيوفه بأسنان قرش

أرحم من طعنات الأحباب والزمان

تتلاطم أمواجه كأحلامي الطفولية

رفيقتي الرياح!!تقرر مصيري كيفما تشاء

رفقا بمركبي

فأنا مثقل بخيبات الزمان

جردتك يا وطني من كل صور البلاغة والخطابة

ووقفت على صدرك العاري في وجه الضربات

فقررت الرحيل

حملت في جيبي كمشة تراب

أدفن فيها ولعي للأرض

فاتهموني بتهريب التراب الوطني

غريبا وجدت في كل المحطات أنا

متثاقل الخطى منهزم النظرات

حصلت على الصفر في كل الدروس

وما تفوقت سوى في درس الرحيل

وتنكر الزمان لأهله كما يتنكر مريض

لعضو مصاب بسرطان لعين

ياوطني الحزين

كيف تصمد هذ الصحاري والجبال؟؟

وتتهاوى الأجساد

تحت الحبال!!!

أغنية المطر

(19) تعليقات

كلام عابر... في زمن عابر...

 

***ليس كل الكلام يقال ..وليس كل ما يقال يسمع..

     وأجمل الكلام ماقيل في وقته وفهم في سياقه.

 

***إن أهم الدروس التي يتعلمها الإنسان

      تأتي من الضربات القاسية لمدرسة الواقع.

 

***إن الناس إذا لم يكونوا يصغون إلينا كثيرا

                   فلأننا علمناهم ألا يفعلوا ذلك!!!

 

*** أن تغضب باستمرار فأنت تتصرف كطفل

          يعتقد أنه ينبغي أن يحصل على كل ما يريده

 

***لا تخشى الأصدقاء ففي أسوء الأحوال يمكن أن يخونوك..

ولا تخشى الأعداء ففي أسوء الأحوال يمكن أن يقتلوك...

بل إخشى اللا مبالون ففي صمتهم واللامبالاتهم...

     يجمعون كل ما في العالم من خيانة وقتل..

 

***إن الرهان على الحظ إنفاق مجاني للعمر...

فأن يساعدك الحظ مرة هذا يعني أنك ستصرف
 ما تبقى من عمرك في الانتظار!!

 

***إن القلب المتردد لن يحظ قط بعذراء جميلة ..!

         فالجبان يموت ألف مرة قبل أن يموت بالمرة..!

معزوفة غرناطة

(9) تعليقات

إنك لا تستطيع أن تسبح في النهر مرتين..(4)

-         ويمضي قطار الحياة

عندما تطرق اللحظات السعيدة باب القلب يحس الإنسان بجنون العظمة ويحس بأن الكون كرة بين يديه يحركها كيفما يشاء .وتصير كل  الأشياء جميلة كما تراها العين ."أنا أحب إذن أنا موجود"لا أجمل من أجواء الليل للإبحار في عرض محيطات الذاكرة ..عندما وقعت في حب سالي سهرت الليالي وتقطع قلبي ليتحول كل ذلك الألم فيما بعد إلى ذكرى لذيذة أجدها زادا في "انتظار جودو" هل أقع اليوم في نفس التجربة . أعتقد أن تجارب الحب لاتحتاج إلى تراكم فكلها تبدأ من نقطة واحدة الألم والسهر وفقدان الشهية و... مهما تعددت التجارب ، وإذا لم تكن هذه هي البداية فالتجربة مغشوشة وليست حقيقية !

تصلني مكالمة مع منتصف الليل " يجب أن تصل إلى العاصمة اليوم ..." المسألة تتعلق بالتوظيف ولاتقبل التأجيل ، لماذا الآن بالضبط في الوقت الذي أستعد لبداية تجربة طالما انتظرتها . تعكرت الأجواء في ذهني .فكرت كثيرا في الموعد مع أحلام ، اقتنعت أخيرا أن هناك أشياء يمكن تأجيلها وأخرى لاتقبل التأجيل ،وجميع الناس يتفهمون ،ذلك على كل حال سأتصل بها صباحا و أعتذر لها . حملت حقيبتي الظهرية وضعت بها بذلة واحدة (كنا أيام الدراسة الجامعية نسمي البذلة المفضلة بالبذلة الرسمية ) وخرجت من منزل النائي مترجلا مسافة الأربعة كلمترات تقريبا  لأصل إلى الشارع الرئيسي،في الطريق صادفت عابرا في حالة سكر شديد قلت في نفسي "لايسري الليل إلا عاشق أو سارق" أوقفني طالبا سجارة ، ناولته واحدة ،طلب أخرى إضافية بتودد، لم أمتنع عن الاستجابة لطلبه خاطبني وهو يبكي "أحبها حتى الجنون ولكنها غير مكترثة لحالي ، والله أحبها ..." أجبته " صدقتك، يبدو ذلك جليا ..لكن أستسمح سأتركك الآن" وأنا في طريقي فكرت هل يمكن  أن يوصلني الحب إلى مثل هذه الحالة. ربما إلى أكثر! "لي ما اعذر يتبلى "تذكرت حسن ابن الجيران في حي النخيل عندما أحب فتاة صاحبة مخدع هاتفي ،ولم يجد منها تجاوبا ولإثارة انتباهها ،قدم إلى الحي في حالة سكر شديد وكسر زجاج المخدع وزجاج المحلات المجاورة ،عاش خلالها الحي حالة رعب وبعد مجيء الشرطة للقبض عليه حاول مقاومتهم ،ليظهر شجاعته واستحقاقه للفتاة التي يحبها،علق خلالها العم إبراهيم "الحب الذي لايقود صاحبه إلى السجن ليس حبا! " . بعد نصف ساعة من الانتظار والسريان المكوكي تمكنت من ركوب سيارة نقل سري لتحملني إلى المحطة فسيارات الأجرة لا يشتغل أصحابها في هذا الوقت نظرا لقلة الزبناء.

السفر أجمل ما وجد لقتل الروتين ، إلا هذه المرة بالذات فهو يسرقني من موعد جد مهم. تدور عجلات الحافلة وأحس معها بالابتعاد والغربة وهو شعور لم تخالجني من قبل .  أحاول أن أنام قليلا لكن الحظ لم يسعفني، أتأمل ركاب الحافلة أجدهم قطعوا أشواطا في عالم الأحلام وهناك من دخل في جولات شخير. على الطريق تتعاقب السيارات بسرعة كما تتعاقب الصور في ذهني. ( سالي..أفراد أسرتي .. العم إبراهيم ..عمر..أصدقاء الدراسة ....)

يرن هاتفي المحمول قبل شروق الشمس بقليل" أي جديد  تحمله ياصبح " إنها أحلام تخبرني" معذرة لن استطيع الذهاب اليوم إلى."أقاطعها " أنا أيضا مسافر الآن وكنت سأعتذر لك حال توقف الحافلة في إحدى المحطات "تجيب "لقد أخبرتني أمي حال عودتي البارحة إلى المنزل أن خطيبا سيزورنا اليوم لطلب يدي لذلك أرجوك أن تقدر ظروفي " يتثاقل صوتي من وقع الصدمة وإرهاق السفر وقلة النوم " مبروك "انتهت المكالمة.

في مدينة الحمراء سأستقيل القطار لإتمام الطريق إلى العاصمة . لملمت جراحي وأقنعت نفسي بأن نهر الحياة لن يتوقف عن الجريان وأن أزهار الربيع لن تتوقف عن تزيين ضفافه .

أجلس على أول مقعد أجده فارغا في المقصورة ، أطلب جريدة وقهوة سوداء ، أدخن سجارتي متصفحا صفحات الجريدة دون أن يستوقفني مقال محدد (الأخبار الوطنية،الأحزاب تدخل في تحالفات استعدادا للانتخابات..الأخبار الدولية،الوضع الدولي المحتقن ينعكس على أسعار النفط...أخبار المجتمع،تفكيك شبكة للهجرة السرية..    ) أطوي جريدتي وأحاول التمدد قليلا، أجد شابة  قد جلست أمامي تسمرت عيني عليها بمجرد ما لمحتها ،هي الأخرى تنظر .تلتقي النظرات ونطيل التأمل في بعضنا .من يبدأ "إنها هي بدون شك لم تغير الأيام شيئا من ملامحها لابد من التأكد"

لاأعرف كيف سينتهي هذا اليوم كيف تتجمع كل هذه الأمور(اليوم العالمي للمفاجأت) أكسر جدار الصمت:

-         صباح الخير

-         صباح الخير

-         يبدو أننا نعرف بعضنا من قبل

-         أعتقد أننا نعرف بعضنا جيدا

-         سالي أليس كذلك؟

-         هي بعينها

نتصافح،نسأل بعضنا عن الأحوال والأهل فمن عادة أهل الجنوب الإطالة في تبادل التحيات ...

-         أين كل هذا الغياب

-         مع مشاغل الحياة الحكاية طويلة

-         أسمعيني بعض تفاصيلها فأنا في غاية الشوق

-         لقد شرحت لك الجزء الأساسي  في الرسالة التي تركتها عند العم إبراهيم لم يكن بمقدوري حينها مواجهتك بحقيقة الرحيل.

-         لككني لم أفتح الرسالة إلى يومنا هذا فقد قررت أن لا أفتحها إلا وأنت حاضرة معي

-         لقد أضعت وقتا طويلا من حياتك يا صديقي العزيز، كان من المفروض أن تطلع عليها

-         ليس مهم مامضى من العمر المهم هو ما أعيشه الآن، فأنا أحبك كما تعلمين وأستطيع أن أنتظرك إلى ما لانهاية 

-         أقدر لك ذلك وأفتكرك كثيرا وأتذكر الأيام الجميلة التي قضيتها رفقتك إنها أجمل أيام حياتي

-         قد نعيش أحسن وأجمل منها إذا ساعدتنا الظروف

-         أتمنى ذلك

-         على فكرة، إنني أحمل رسالتك معي فهي تحفة وزادي في الحياة،وأتمنى أن ،قرأها أنا وأنت

أشرع في فتح الرسالة ، يتوقف القطار في محطة البيضاء ،تستأذن سالي

-         سأعود بعد دقيقة ، أسأل في الشباك عن موعد عودة القطار،تمهل في القراءة حتى أتمكن من  مواصلتها معك بعد العودة وتسرع إلى الباب مبتسمة وتلتفت إلى الخلف لترى هل أتابعها بنظراتي ،فأضحك لتصرفاتها التي لم تغيرها الأيام

أشرع في القراءة لقد إلتزمت بالعهد الذي قطعته على نفسي.

" عزيزي سعيد أكتب لك هذه الرسالة في وقت إتخد أفراد العائلة قرارات ستغير مجرى حياتي ، لقد قرروا الهجرة إلى مدينة الساقية، وتزويجي لابن عمي الذي سيأخذني معه إلى الديار الفرنسية ،أخبرك بأنني أحبك :كثيرا لكن ليس بيدي حيلة . أتمنى أن  تجد من هي أحسن مني وتنسيك أيامي ، أما أنا فلن أنساك ، وأطلب منك أن تبدأ حياتك من جديد ولا تتوقف على ضفاف نهر الحياة تحرك فإنك لاتستطيع أن تسبح في النهر مرتين."             توقيع المجروحة سالي

مرت عشر دقائق التي سيتوقفها القطار في محطة البيضاء لكن سالي لم تعد ، أدركت حينها أنها لن تعود إلا في محطة أخرى. وتحرك القطار يطوي المسافات باتجاه كل المحطات.

                                                                             

                                                                                                     = = = إنتهى = = =

معزوفة

(3) تعليقات

إنك لاتستطيع أن تسبح في النهر مرتين...(3)

الهروب إلى الأمام ...

تهرب الأيام بلا رقيب ونعيش على الأمل ،تتغير ملامح الطبيعة بسرعة والناس أيضا ، في هذا الجنوب كل الأشياء الجميلة لا تعمر طويلا ،وفرحتنا لا تكتمل. عشر سنوات إلى الأمام غيرة الكثير داخلي ومن حولي وتسلل إلى أعماقي هم الشباب متخفيا بين ظلمات الليالي الرتيبة..."والليالي من الزمان حبالى***صامتات يلدن كل عجيب"

  وبدأت خيوط البيض تتدلى من أعلى رأسي، لم تكن أيام الدراسة الجامعية سعيدة بما يكفي ،بين صاحب الدكان وصاحب الكراء والمكتبة نصرف ما تبقى لنا من أعصاب ...أصدقاء تفرقوا كما يتفرق أبناء الطير بعد يومهم الأربعين. ما تركوا خلفهم إلا الذكريات (أرقام هواتف - صور- خواطر – قصائد- ديون – جراح...) ما أقبح أن يتحول الإنسان إلى مجرد أرقام وكلمات .

 أجد نفسي وحيدا منزويا في ركن هذا الدكان بين سلعة ما وجدت إلا لتسرق هي الأخرى ما تستطيع من عمري

معظم زبائني من التلاميذ . تعلمت منهم الكثير، بعد هذا السن أعود إلى مدرسة الصغار لأتلقى دروسا ظلت غائبة عني في الصغر وربما عن الأجيال التي عاصرتني أيضا.كان الوقت يسمح بالتهام ما يقع بين يداي من كتب ،وكانت الرواية زادي المفضل في هذه الفترة؛ إلى درجة أنني كنت أحيانا أذهب لشراء بعض حاجيات الدكان وعندما أجد رواية تنال إعجابي أشتريها بدل سلعة المحل. وكنت أرد على المعاتبين بأن هذه المهنة مجرد ضفة من ضفاف نهر الحياة ، سيتم عبورها في يوم ما وأتمنى أن يكون قريبا.

تتوالى الأيام بروتينها القاتل .أكاد أتحول إلى آلة أعيد نفس العمل حتى اختلطت في رأسي الأيام ولم أعد أميز إلا يوم في الأسبوع وهو يوم السوق نظرا للحركة التي تواكبه. رغم أنني كنت أنهك يومه إلا أنني كنت أنتظره ليس حبا للمدخول وإنما لمعرفة وجوه جديدة تنفض عن جسمي غبار الأسبوع فالماء الذي لايتجدد يتلوث .

في ذلك اليوم وقفت أمامي شابة كانت تبدوا في سنتها العشرين أوأكثر فالتجار يفضلون الزيادة دائما. أخرجتني تحيتها من إبحار في أقصى محيطات الذاكرة ...المرحوم العم إبراهيم  الذي أخبرني أحد العابرون أنه مات وهو يستمع إلى أغنية فكروني للأم كلثوم .لقد ظل وفيا لمذياعه والست إلى أخر لحظة في حياته. وعمر الذي فضل الهجرة إلى جزر الكناري مغامرا في عرض المحيط ليعود بسيارة فاخرة وزوجة شقراء ومن حينها تغير طبعا وطباعا ولم يعد يتحدث إلى بأنتم ونحن !! ..

-         طاب نهارك

-         كيف لايطيب وهذا الجمال أمامي (تكلمت وكأنني أعرفها من قبل رغم أنني أول مرة أراها !)

ابتسمت نصف ابتسامة

-         لاتكثر علي فيزيد غروري وأرفض كل من يتقدم لخطبتي.

-         إذن أنت لست جميلة.. أنت جميلة ومتواضعة أيضا

-         شكرا على هذه المجاملة الرائعة. لديا طلب إذا سمحت

-         على العين والرأس ولو كان من أدنى بقاع الأرض

-         قريب  جدا ورقة وقلم فقط .

شردت قليلا . تريدني أن أكتب لها رسالة لحبيبها ، يتحرك الدم الشرقي في عروقي ، أفكر في طريقة الرد كيف تتسرب التعابير الرومانسية من أنامل محروم ، هل أسمح لنفسي أن أكون قنطرة لعبور الآخرين إلى الضفة الأخرى ...عشرات الأسئلة والتخمينات عبرت مخيلتي في ثواني لم أتذكر كم عددها..حتى أيقظتني

- أريد أن تكتب لي طلب إلى مدير إحدى الشركات بالحي الصناعي إذا كان ممكن

تغيرت ملامحي ،ربما أدركت شعوري ، لكن كلماتها سقطت عليا كما يسقط الفرج على محكوم بالإعدام لا يهمني غير ذلك .. 

-         بسيط ولكن من قال لك أنني أعرف الكتابة

-         ومن لايعرفك في تكساس (اسم لهذا الحي كما يحب أبناءه أن يسموه بدل المراسي)

هناك أشياء يصعب فهمها في النساء رغم أنهن لا يغادرن البيوت كثيرا فإنه لا يفوتهن خبر مهما صغر أو كبر (تذكرت العم إبراهيم وحي النخيل ربما تتلمذ على يد امرأة ، لكن قدراته أكبر من ذلك قد تكون موهبة)

-         ما يهمني معرفتك أنت وليس كل الناس . أين كنت مختبئة حتى الأن؟

-         أراك تتقن فن التغزل بالفتيات ، ربما لك تجارب كثيرة !

-         أكثر من تجارب العميان في شق الطريق..

تضحك ،وأضحك ولا أعرف كيف انفكت عقدت لساني في هذه اللحظة بعد سبات طويل ...

-         كنت أشتغل ولا أعود إلا مساء . غلبا أمر من هنا أراك منشغلا مع الزبناء أو رأسك مدلاة  في كتاب. إنك لاتنظر بعيدا ..

-         صدقت . أنا لم أكن أنظر بعيدا. لكن من اليوم أعدك أنني سأنظر بعيدا بعيدا بعيدا...

-         فقدت عملي قبل شهر بعد إفلاس الشركة كما يدعي صاحبها. لابد أن أبحث عن شغل سمعت أن شركة "مرينا" مقبلة على تشغيل عمال جدد لذلك فكرت في دفع طلب لهم .

-         أتمنى لك التوفيق من كل قلبي . إعطني معلوماتك الشخصية.

صرحت بمعظم ماتملك من معلومات . ساعدني ذلك على تكوين فكرة واضحة عنها كنست أركان قلبي من غبار الزمن الجيولوجي الرابع واستقرت متربعة على عرش ظل مجمد منذ زمن جميل بتينة . كانت تقصد ذلك وتعرف أنها تصرح بأشياء لاعلاقة لها بالعمل لكنها وجدت الأذن الصاغية لسرد جزء من سيرة ظلت حبيسة صاحبتها ... بعد تبادل حديث طويل لاأدري كم إستغرق من الوقت وكم من الزبناء امتنعت عن تلبية طلبهم. اتفقنا على أن نروح في اليوم الموالي سويا إلى شركة "مرينا " لتقديم الطلب .

بعد مغادرتها المكان كانت سالي حاضرت أمامي صورتها لم تتغير في مخيلتي . أخرجت الرسالة التي لازلت محافظا عليها . قررت فتحها لابد أن أكون شجاعا ماذا سيكون بداخلها .لابد من الحسم والدخول في تجربة جديدة ، الفرصة قد حانت وقطارالحياة يمضى مسرعا. تذكرت يوم كنا نجلس على الكرسي الإسمنتي بحديقة" السباليون" قالت  لي" لن يفرق بيننا إلا الموت " لكن الحقيقة أن الحياة هي التي فرقت بيننا .أتردد في فتح الرسالة. فهي التي تجعل سالي تعيش معي رغم طول الفراق.ربما قد تكون الآن هي الأخرى تفتكرني .يقاطعني زبون لعين في سرياني الجميل لايجدون إلا مثل هذه اللحظات لقضاء حوائجهم ...

بعد إغلاق المحل عدت إلى بيتي النائي أحمل معي الليلة مادة رائعة للسهر. سأرتب أوراق الغد بشكل لايترك للشك حيزا للانتعاش...لم تغمض عيناي ".إن غدا لناظره لقريب"

 

                                                                                       = = =  يتابع = = =   

(2) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية