كان الزمن صيفا ، ومن عادات الصيف جمع حقائب السفر ، في الجنوب كل الأشياء تتغير بسرعة حتى الطقس مزاجي ربما تعيش الفصول الأربع في يوم واحد..وهناك من يرى العكس.
هؤلاء الذين يعدون حقائبهم اليوم لاتبدو عليهم علامات السفر الصيفي ربما لن يعودوا بعد اليوم إنها علامات الرحيل . كل المؤشرات تدل على ذلك .شاحنة كبيرة كدس فيها العديد من الأثات. لابد من تقصي الأخبار وعند الإسكافي العم ابراهيم أجد الخبر اليقين. فهو يعرف كل صغيرة وكبيرة عن أهل الحي حتى أنه كان يخبرني عن الوجبة التي تنتظرني في البيت وأنا عائد من المدرسة . ولم يخطئ إلا مرات محدودة . كما أنه أول من يعرف السيرة الذاتية لكل وافد جديد عن الحي .عندما تحمل الى هذا الرجل الطاعن في السن حذاء لإصلاحه فستكون أخر مرة يصلح فيها ، يغرز ما تيسر من المسامير في كل الإتجاهات وعندما تعاتبه عن عمله يجيبك ببرودة أن المهم هو أنتعال الحذاء وليس جماله ويغلق الموضوع بدعوى انه منشغل ولديه طلبات عديدة من الزبناء ويرفع صوت المذياع الذي يعود موديله الى سبعينيات القرن المنصرم يصدر ضجيجا لايكاد يترك مجالا لسماع البرامج اذا قال له أحد يجب عليك التخلص من هذا الجهاز الرديئ يردد نفس الشريط الذي حفظه سكان الحي عن ظهر قلب " انه تحفة لن تجد مثيل لها في كل البلد . لقد عرض عليا سائح فرنسي مائة ألف درهم لأبيعه إياه وصورة تذكارية معه فوق ذلك لكنني رفضت.." تم يعود ليحمل مقصه ويبدأ في قص قطعة جلد. رجل مهم، طلباته كثيرة رغم أن زبنائه يعدون على رؤس الأصابع ! كان منهم والدي لذلك أجد نفسي من المحظوظين للإستفادة من خدماته الغير إسكافية طبعا. ساحمل له حذاء ابي حتى أصل الى أخر الأخبارولن أبخل عليه بهدية تليق به حتى أجعله يتحدث بدون قيود
- مساء الخير عمي إبراهيم
- مساء الخير يا ولدي
- لقد أرسل لك والدي هذا الحذاء لإصلاحه وهذه الهدية من عندي فمكانتك عظيمة في قلوبنا
أعرف أنه يحب الأم كلتوم كثيرا حتى أنه يسهر ليلة الجمعة يسمع روائعها رغم التشويه الذي يحدته مذياعه التحفة فكانت الهدية صورة لها حتى أصل من أقصر الطرق فالموضوع مهم ولايقبل التأجيل. العم ابراهيم رغم تقدمه في السن ظل محافظا على ذكائه وهاهو يقطع عليا الطريق مرة أخرى .
- فاتك القطار يا ولدي
- لم أفهم شيئا ياعم !!!
- ستبدي لك الأيام ماكنت جاهلا***ويأتيك بالأخبار من لم تزود
- عمي ابراهيم وضح ما تعنيه أنا لم أسالك عن شيء وأنت تتحدث عن أشياء غامضة
- المهم أنها تركت لك رسالة . ومرة قادمة إذا اردت شيء عليك المجيء من الباب وليس من النافذة .
- شكرا على كل حال المشكلة أنك تفهم كثيرا وأنا مجرد طفل عقلي محدود
- قلها لغيري وحتى الشيطان قد يصدقك أما أنا فلا تحتاج إقناعي
هذا العجوز الماكر لن تنطلي عليه حيلي ولن يصدقني بعد أن ضبطناه متلبسا مع عشيقته. عشر سنوات مضت ولم ينسى. كان يذهب للحمام البلدي صباح يوم الأحد وفي المساء يركب سيارة أجرة وتبلعه أزقة المدينة ، وبعد تحريات قمت بها أنا وابن الجيران عمر إكتشفنا وجهته، كان المكان في طرف المدينة بعيد عن الحي ، لكننا وفي شغف طفولي مارسنا هذه اللعبة حتى النهاية. بعد أن تيقن من اننا أصبحنا على اطلاع من أمره ،بدل كل ما في وسعه لكسبنا الى جانبه حتى لانشيع الخبر،ما كان يحييره كيف وصلنا الى ذلك فأخبرناه أننا احتلنا على سائق سيارة الأجرة الذي حمله وسئلنا صاحب الدكان عن أصحاب المنزل الذي دخله فأجاب مندهشا:
- من يعتقد ان الصغار لايعرفون وبسطاء بليد ومغرور
اليوم يرد لي بعض الجميل بعدما تيقن ان الخبر لم يصل الى الجيران . فرغم اننا كنا نبحث عن بعض خبايا الناس فإننا لم نكن من عشاق التشهير بهم . وقد نجح العم في ترك الموضوع حبيسا بيننانحن الثلاثة لسنوات بفضل دهائه ومغرياته المتواصلة وبعد ان استنفذ مدة صلاحيته اصبح يفتخر به جماهريا. يحكيها من بين مغامراته الشهيرة التي كان معظمها مبني على الخيال لشيوخ وبطاليي الحي المتجمهرين حول لعبة (الضامة) بالقرب من دكانه وكانوا يتلذذون بها رغم انه يعيدها تكرارا إلا انها خاضعت للتغيير في كل آن وعندما يحاول أحدهم إحراجه بكون مغمراته مجرد أساطير وكذب يرد عليه ببرودة فارس حنكته تجارب الصحراء
- إن الأشياء لاتعاد في الحياة مرتين لذلك يجب صقلها باستمرار وإلا فقدت معناها وتلاشت ...
كان يدرك أنه لايستطيع السيطرة في مثل هذه المواقف إلا على الجزء القليل من جمهوره لكن ما يهمه هو ان تظل ذكرياته حاضرة في كل جمع فيرى من خلالها شريط حياته المتقلبة وتتجدد في عروقه دماء الحياة .
وأنا أحمل الرسالة كنت متخوفا من فضها أتمنى أن تبقى مغلقة على حالها . ما تعودت على على مثل هذا الفعل خلال سفرياتها الماضية ،في الطريق احس بتقل يتزايد على كتفاي يجرني الى الخلف ، أسافر عبر الذاكرة. يوم الأربعاء بداية السنة الدراسية. في الطريق الى الإعدادية. الكل يريد التعرف على الوجوه الجديدة . لا أمل مع القديم. كانت فتاة شقراء بقامتها المتفرعة يبدو عليها أنها لم تعاني أزمة جوع في يوم ما، وأنها لاتعرف الهم والكدر، ابتسامة الموناليزا لاتفارق وجهها تتحرك برشاقة كعصفور. قامتها لاتتناسب ومستواها الدراسي.هذا كل ما ينقصني حتى أضع قطار حياتي على سكته الحقيقية .وأقضي سنة دراسية جيدة. السنة الماضية حصلت على لوحة شرف ، وهذه السنة أبحث عن تشجيع .في هذا السن يحس الإنسان بضرورة الأنثى في الحياة.وتشغل الجزء المهم من تفكيره، المنافسون يزداد عددهم يوما بعد الأخر وحظي بينهم يتراجع باستمرار ، لن أغادر المعركة إلا شهيدا أو شريدا أما الإنتصار فكل المؤشرات تدل أنه مستحيل كلما ابتعدت صورتها من أمام عيني ،الأيام تمر مسرعة والسيناريو يتكرركل يوم، أنتظرها في الإستراحة أراقبها تحس بذلك لاتبدي أدنى أهتمام . أعود الى المنزل، افكر في خطت لليوم الموالي وبع تطبيقها تفشل وتتوالى الأيام ، هل يمكن أن أنفق عمري كله في التجارب والإنتظار سؤال ظل يحيرني . لابد من نقل المعركة خارج المدرسة.
يتابع النشر بعد الإجتياز الى الضفة الأخرى